تشكل العلاقة بين سعد الحريري والمملكة العربية السعودية أحد المفاصل الأساسية في الحياة السياسية اللبنانية خلال العقدين الأخيرين. وبين محطات الدعم والتوتر والانكفاء، برزت مناسبات رمزية مثل إفطار دار الفتوى كمنصة رسائل سياسية، فيما لعب نبيه بري دور الوسيط لتفادي الانفجار الداخلي.

 

العلاقة بين الحريري والسعودية تعود إلى مرحلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي بنى شبكة علاقات استراتيجية مع القيادة السعودية، سياسياً واقتصادياً.
بعد اغتياله عام 2005، تبنّت الرياض نجله سعد سياسياً، ودعمته لقيادة الشارع السني ومواجهة النفوذ السوري ثم الإيراني في لبنان.

خلال مرحلة 2005–2015، شكّل الدعم السعودي ركيزة أساسية:

في تشكيل الحكومات و في تمويل تيار المستقبل و في تثبيت موقع رئاسة الحكومة ضمن معادلة 14 آذار

عام 2016، وافق الحريري على انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية، في تسوية أنهت فراغاً رئاسياً دام أكثر من سنتين.
الخطوة فُسرت في السعودية كتنازل لمصلحة حزب الله.

بلغ التوتر ذروته في استقالة الحريري من الرياض عام 2017، في مشهد هزّ التوازن اللبناني. عاد الحريري إلى بيروت وتراجع عن الاستقالة، لكن العلاقة دخلت مرحلة فتور واضحة، ترافقت مع تراجع الدعم المالي والسياسي.

يُعتبر إفطار دار الفتوى في رمضان حدثاً سياسياً بامتياز. فالمؤسسة تمثل المرجعية الدينية السنية الرسمية، وأي حضور أو غياب لشخصيات سياسية يُقرأ بدلالات عميقة.

في ظل تعليق الحريري عمله السياسي عام 2022، تحوّل الإفطار إلى منصة لقياس:

حجم حضوره الشعبي والسياسي و موقف السعودية غير المباشر من عودته و شكل الزعامة السنية المقبلة

حضور الحريري في أي مناسبة برعاية دار الفتوى يُعد رسالة مزدوجة:
للداخل اللبناني بأن موقعه لم يسقط،
وللخارج العربي بأن خروجه لم يكن نهائياً.

وسط هذه التعقيدات، لعب نبيه بري دور الوسيط الدائم.
منذ عام 2005، عمل على:

فتح قنوات خلفية بين الحريري وحزب الله و تسهيل تشكيل الحكومات و منع الانزلاق إلى توتر سني–شيعي

في أزمة 2017، كان بري من أوائل المطالبين بعودة الحريري إلى بيروت، إدراكاً منه أن أي فراغ في رئاسة الحكومة قد يؤدي إلى اضطراب أمني.

كما أن بري يدرك أن استقرار لبنان يحتاج إلى شراكة سنية–شيعية متوازنة، ما يجعله حريصاً على عدم خروج الحريري نهائياً من المعادلة.

في السنوات الأخيرة، أعادت السعودية ترتيب أولوياتها الإقليمية.
أصبح دعم لبنان مشروطاً بالإصلاحات وتقليص نفوذ حزب الله، لا بالدعم المفتوح كما في السابق.

هذا التحول انعكس مباشرة على موقع الحريري، الذي وجد نفسه بين:

حسابات داخلية معقدة و تراجع الغطاء الإقليمي و أزمة اقتصادية غير مسبوقة

العلاقة بين سعد الحريري والسعودية مرت بثلاث مراحل:
تحالف كامل، توتر حاد، ثم إعادة تموضع حذر.

إفطار دار الفتوى بقي منصة رسائل سياسية تعكس اتجاه الرياح داخل البيت السني.
أما نبيه بري، فاستمر في لعب دور “صمام الأمان”، محاولاً منع أي اهتزاز في العلاقة السنية–الشيعية من التحول إلى انفجار داخلي.

لبنان اليوم يقف أمام معادلة دقيقة:
عودة الحريري تحتاج إلى غطاء سعودي واضح،
والاستقرار يحتاج دائماً إلى وسيط يتقن إدارة التوازنات… وهو الدور الذي لم يتخلَّ عنه بري حتى الآن.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com