روما – خاص مركز بيروت للاخبار
شهدت العاصمة الإيطالية روما مؤخرًا فعالية اقتصادية – سياسية عكست عمق الشراكة بين إيطاليا والأردن، حيث نظمت جمعية فارنيزينا بالتعاون مع وكالة التجارة الإيطالية عرضًا استثماريًا خاصًا بالأردن، بحضور وكيلة وزارة الخارجية والتعاون الدولي الإيطالية ماريا تريبودي، ومن الجانب الأردني زينة طوقان وزيرة التخطيط والتعاون الدولي وطارق أبو غزالة وزير الاستثمار، إلى جانب أكثر من خمسين شركة ومؤسسة مالية كبرى من البلدين. الحدث أكد أن العلاقة بين البلدين انتقلت من إطار التعاون التقليدي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية متعددة الأبعاد، القائمة على دعم الاستقرار الإقليمي وتعزيز التنمية الاقتصادية.
وفي كلمتها، شددت تريبودي على أن الحكومة الإيطالية تعمل على تمكين شركاتها من الاستفادة من الفرص الاستثمارية المتاحة في الأردن، لا سيما قبيل انعقاد مؤتمر الاستثمار بين الاتحاد الأوروبي والأردن المرتقب في منطقة البحر الميت في 21 أبريل/نيسان. في المقابل، عرض الوفد الأردني حزمة من المشاريع النوعية في قطاعات الطاقة المتجددة والبنية التحتية والنقل وتحلية المياه والصناعات المتقدمة، مؤكدًا جاهزية البيئة الاستثمارية الأردنية واستقرارها التشريعي وقدرتها على استقطاب شراكات طويلة الأمد.
فيما تكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الموقع الجغرافي الاستراتيجي للأردن، الذي يشكل حلقة وصل أساسية في الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، الأمر الذي يعزز موقعه كمركز إقليمي للأعمال والخدمات اللوجستية، ويفتح أمام الشركات الإيطالية آفاقًا أوسع للاستثمار المستدام ضمن بيئة سياسية واقتصادية مستقرة. ويأتي هذا التوجه في سياق رؤية مشتركة تعتبر أن استقرار الشرق الأوسط ضرورة دولية، لا مجرد خيار سياسي، إذ تنظر إيطاليا، بحكم موقعها في قلب المتوسط وعضويتها الفاعلة في الاتحاد الأوروبي، إلى الأردن كشريك معتدل يلعب دورًا محوريًا في إدارة الأزمات الإقليمية، فيما يتعامل الأردن مع إيطاليا باعتبارها بوابة استراتيجية نحو أوروبا وداعمًا أساسيًا لجهوده التنموية.
وقد انعكس هذا التفاهم السياسي في تنسيق مستمر داخل الأطر الأوروبية – المتوسطية، وفي دعم إيطالي متواصل لجهود الأردن في الحفاظ على أمنه الداخلي واستقراره الاقتصادي وسط بيئة إقليمية مضطربة. كما شهد التبادل التجاري والاستثماري بين البلدين نموًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، مع اهتمام متزايد من الشركات الإيطالية بقطاعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والبنية التحتية والصناعات الغذائية والسياحة العلاجية والثقافية. ولا يقتصر أثر هذا التعاون على رفع حجم المبادلات التجارية، بل يمتد إلى خلق فرص عمل، ونقل التكنولوجيا، وبناء شراكات مستدامة بين القطاعين العام والخاص في البلدين، في وقت يُنظر فيه إلى الأردن كمنصة إقليمية للشركات الإيطالية الراغبة في التوسع داخل أسواق الشرق الأوسط، مستفيدًا من شبكة اتفاقياته التجارية وموقعه الجغرافي الحيوي.
ولا تتوقف الشراكة عند حدود السياسة والاقتصاد، بل تمتد إلى بعدها الحضاري والإنساني، إذ تجد إيطاليا، بإرثها الروماني والنهضوي، في الأردن فضاءً غنيًا بالحضارات المتعاقبة من البتراء إلى جرش ووادي رم، وقد أسهم التعاون في مجال حماية المواقع الأثرية وإدارة التراث في تعزيز السياحة الثقافية وتبادل الخبرات التقنية، بما يشكل جسرًا حضاريًا دائمًا بين الشعبين. كما ساهمت الاتفاقيات الجامعية وبرامج المنح الدراسية في توسيع التبادل الأكاديمي بين الجامعات الإيطالية والأردنية، ما يعزز ثقافة الحوار والانفتاح لدى الأجيال الجديدة، إلى جانب الدور الإيطالي الداعم لجهود الأردن في استضافة اللاجئين وتعزيز صمود المجتمعات المحلية، في تجسيد واضح لشراكة تتجاوز المصالح الضيقة نحو تضامن فعلي ومسؤول.
وبذلك، تكشف المعطيات السياسية والاقتصادية والثقافية أن الشراكة بين إيطاليا والأردن لم تعد مجرد تعاون ثنائي تقليدي، بل أصبحت نموذجًا متقدمًا للتكامل المتوسطي – العربي، علاقة تُبنى على المصالح المشتركة والرؤية الاستراتيجية، وتطمح إلى الإسهام في صياغة فضاء إقليمي أكثر استقرارًا وازدهارًا، من المتوسط إلى المشرق.
