كتب ألبير خوري
إرباك سياسي في اسرائيل!… ثلاث دورات انتخابية على التوالي في سنة واحدة، لم تمكّن رئيس الحكومة الصهيونية بنيامين نتنياهو من تحقيق الغالبية المطلوبة داخل “الكنيست” لتشكيل حكومة جديدة أمام منافسه بيرني غانتس، ما يعني أن الصراع بين الحزبين الكبيرين “الليكود” و”أزرق أبيض” يزداد احتداماً، وحيث كل فريق يحاول استمالة بقية الأحزاب، اليمينية منها والدينية واليسارية، كما اللائحة “العربية المستقلة” الى جانبه، وبما يمكّن نتانياهو أوغانتس، ترؤس الحكومة الجديدة.
وعليه، فإن المنافسة بين “الليكود” اليميني و”أزرق ابيض” اليسار الوسط، يستند الى معادلة حسابية أكثر مما هو تفضيل الإسرائيليين بين هذا وذاك، وإن كان الاثنان يشكّلان معاً جسداً صهيونياً واحداً، عنصرياً واستراتيجية تتّبع سياسة التوسع الاستيطان في الاراضي الفلسطينية المحتلة، و”صفقة العصر” بالتأكيد.
واقع الحال، إن معضلة تشكيل الحكومة الاسرائيلية ترتبط سياسياً باحتمالات عدة، أهمها مدى قبول أفيغدور ليبرمان زعيم حزب “اسرائيل بيتنا” الحاصل على سبعة مقاعد، الانضمام الى أي من كتلتي اليمين برئاسة نتنياهو، أو الوسط اليسار بزعامة غانتس… وفي الحالين، يشكل ليبرمان بيضة القبان، في انتخابات مصيرية، بالنسبة لرئيس “الليكود”، المتهم بعدة قضايا فساد والذي يعتبر أحد المخارج الرئيسة التي يعمل عليها لإنقاذ مسيرته السياسية وضمان ألاّ يصدر الكنيست قانوناً يحول دون تكليفه. والمعروف حتى الآن أن ليبرمان يرفض من حيث المبدأ الالتحاق بحكومة تضمّ اليمين المتشدّد والمناهضة لما يعتبره “علمانية” الدولة الاسرائيلية، ويقابلها مواقف الاحزاب اليمينية المتطرّفة وأبرزها “شاس” وله عشرة مقاعد و”يهدوت هتوراه” وله سبعة مقاعد، والتي ترفض بدورها انضمام ليبرمان الى الائتلاف الذي يقوده نتنياهو استناداً الى علمانيته.
وسط هذه البلبلة والتناقضات، رئيس تحالف “أزرق أبيض” بيني غانتس، مدفوعاً بعوامل مصالح شخصية، حذر من انبعاث التأزم الذي من شأنه أن يفضي الى العنف، واتهم خصمه نتنياهو بالتسبب فيه، وقال: “التحريض متفشٍ في كل مكان، وأنت يا نتنياهو تلتزم الصمت… لن أسمح لك ببث الكراهية والتسبّب بأول حربٍ أهلية حديثة بين اليهود… الأجواء مقلقة للغاية”. وكشف غانتس أنه “بناء على قرار الاسرائيليين، قرّرت تشكيل حكومة قوية ومستقرة تعالج ما بات لدى اسرائيل من كراهية وانقسام، وتضع حداً أخيراً لحقبة نتنياهو في السياسة”.
في مقابل ذلك، كشف نتنياهو أن غانتس ووزيرا الأمن السابقان موشيه يعرّضون أمن الاسرائيليين للخطر… وقال “أنا أتحدث بوصفي وزيراً للأمن، وجود حكومة اسرائيلية تعتمد على أصوات القائمة العربية المشتركة خطر حقيقي وفوري على حياة المواطنين والجيش الاسرائيلي”.
وما بين تخوّف نتنياهو وتهديدات غانتس، تدخل اسرائيل أزمة سياسية حادة تهدد مكوناتها وفئاتها الاجتماعية، خصوصاً وأن السجالات والاتهامات المتبادلة وصولاً الى التخوين، قد توصل الى أعمال عنف يصعب تقدير مآلاتها ونتائجها، في ظل تأزم داخلي يزيد التباينات وكذلك التناقضات في الهويات المختلفة للتركيبة الاجتماعية الاسرائيلية التي تبدو حتى الآن صلبة، ولكن الى متى؟ نتنياهو يصرّ على تشكيل الحكومة الجديدة مهما تطوّرات الأزمة، ويعيد الكيان الصهيوني الى مرحلة تشبه مرحلة ما قبل اغتيال رئيس الوزراء السابق اسحق رابين عام 1995، على خلفية التخوين والصراع بين اليمين واليسار.