كتب حسن شمس الدين

في ظل الأزمات المالية والاقتصادية المتراكمة التي يمرّ بها لبنان، لجأت الحكومة مؤخراً إلى إقرار زيادات ضرائبية جديدة بهدف تعزيز إيرادات الدولة وتقليص العجز. إلا أن السؤال الجوهري يبقى: هل زيادة الضرائب هي الحلّ الفعلي، أم أنها مجرد هروب إلى الأمام واعتماد للخيار الأسهل على حساب المواطن المنهك أصلاً؟

أولاً: المواطن ليس الحلقة الأضعف دائماً

لا يمكن إنكار حاجة الدولة إلى موارد مالية لإعادة تفعيل مؤسساتها وتحسين خدماتها. لكن تحميل المواطن أعباءً إضافية في ظل تدهور القدرة الشرائية وارتفاع نسب البطالة والتضخم، يفاقم الأزمة الاجتماعية ويقوّض الثقة بين الدولة والمجتمع. فالضرائب يجب أن تكون جزءاً من رؤية إصلاحية شاملة، لا أداة سريعة لسد فجوات مالية ناتجة عن سوء إدارة مزمن.

ثانياً: ترشيد الإدارة قبل زيادة الجباية

قبل اللجوء إلى زيادة الضرائب، كان الأجدى بالحكومة العمل على ترشيد الإدارة العامة ووقف الهدر. ويبدأ ذلك بمعالجة الفائض في عدد الموظفين في بعض الإدارات، حيث تعاني مؤسسات عديدة من تضخم وظيفي يقابله ضعف في الإنتاجية. الإصلاح لا يعني الصرف العشوائي، بل إعادة توزيع الموارد البشرية بشكل فعّال.

يمكن تحويل الموظفين غير المنتجين أو الفائضين عن الحاجة إلى قطاعات منتجة أو إدارات تعاني من نقص في الكوادر، بما يضمن الاستفادة من طاقاتهم بدل إبقائهم عبئاً مالياً دون مردود فعلي.

ثالثاً: إلغاء المصاريف غير المنتجة

من غير المقبول الاستمرار في تحمّل نفقات لا تعود بفائدة مباشرة على الدولة أو المواطنين. على سبيل المثال، إعادة النظر في بعض الامتيازات والتقديمات، كمعاشات بعض النواب الذين لا يمارسون دوراً رقابياً أو تشريعياً فعّالاً في مجلس النواب اللبناني. فالعدالة تقتضي أن تكون التضحيات مشتركة، وأن تبدأ من أعلى الهرم قبل أن تُفرض على المواطنين.

رابعاً: ضبط الهدر في مداخيل الدولة

ليست المشكلة دائماً في نقص الإيرادات، بل في سوء إدارتها وضعف الرقابة عليها. إن تحسين آليات الجباية، مكافحة التهرب الضريبي، وضبط الهدر في مؤسسات الدولة، يمكن أن يؤمّن موارد كبيرة دون الحاجة إلى فرض أعباء جديدة. كما أن تفعيل أجهزة الرقابة والمحاسبة يعزز الشفافية ويعيد الثقة بالقطاع العام.

خامساً: تفعيل المرافق المنتجة وإجراء الإصلاحات

تملك الدولة اللبنانية مرافق عامة يمكن أن تكون مصادر دخل حقيقية إذا أُديرت بكفاءة وشفافية. المطلوب هو إعادة هيكلة هذه المرافق، تحسين إدارتها، وتطويرها لتصبح منتجة بدل أن تبقى عبئاً على الخزينة. كما يجب ملء الشواغر في الإدارات الحساسة وفق معايير الكفاءة، وتحسين الأداء عبر تحديث الأنظمة واعتماد الرقمنة والحوكمة الرشيدة.
بالنتيجة فإن اللجوء إلى زيادة الضرائب دون إصلاح إداري ومالي شامل يشبه معالجة الأعراض دون التطرق إلى أصل المرض. الإصلاح الحقيقي يبدأ بوقف الهدر، وترشيد الإنفاق، وتحسين الإنتاجية في الإدارة العامة. عندها فقط يمكن الحديث عن نظام ضريبي عادل ومتوازن يساهم في إنقاذ الاقتصاد دون إرهاق المواطن.

فالخيار ليس بين الإفلاس أو زيادة الضرائب، بل بين إدارة فاشلة تعيد إنتاج الأزمات، ودولة إصلاحية تضع الكفاءة والعدالة في صلب أولوياتها.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com