./ مصطفى ركين
في بلدٍ مثل لبنان، حيث تختلط الشعارات بالبروباغندا، وتُرفع لافتات “النزاهة” فوق أبوابٍ تعاني في الداخل من الترهل، لا يبدو الحديث عن الفساد ترفًا فكريًا، بل توصيفًا يوميًا لواقعٍ يعيشه المواطن في القطاعين العام والخاص على حد سواء.
من المحسوبيات إلى التوظيف العشوائي، من استغلال الصلاحيات إلى صناعة “الواجهة الأخلاقية” لمؤسسات تفتقر في العمق إلى أبسط معايير العدالة والمهنية… تتكرر المشاهد ذاتها. إدارات تتغنّى بالرقابة وهي بلا مساءلة، شركات ترفع شعار الجودة وهي تُدار بعقلية العلاقات لا الكفاءات، مؤسسات دينية أو تربوية تتحدث عن القيم فيما تُمارس الإقصاء والانتقائية خلف الأبواب المغلقة.
وسط هذا المشهد، يطلّ في الذاكرة نموذج درامي جسّده أيمن زيدان في مسلسل يوميات مدير عام، بشخصية “الدكتور أحمد عبد الحق”. مديرٌ يدخل إلى مؤسسةٍ مثقلة بالفساد، فيبدأ بكشف الخلل، لا بالصراخ والشعارات، بل بالعمل المنهجي: ملفًا بعد ملف، حالةً بعد حالة، مواجهةً بعد مواجهة. لم يكن بطلاً خارقًا، بل إداريًا يعرف أن الإصلاح ليس خطابًا بل ممارسة، وأن النزاهة ليست إعلانًا بل قرارًا يوميًا مكلفًا.
الفارق بين الدراما وواقعنا أنّ “أحمد عبد الحق” في المسلسل كان استثناءً واضحًا داخل مؤسسة فاسدة، أما في لبنان اليوم، فالمفارقة أن الفساد بات أحيانًا هو القاعدة، فيما يتحول صاحب الكفاءة إلى غريب، وصاحب الضمير إلى “مُزعج”، وصاحب الرأي إلى “غير منسجم مع الفريق”.
الأخطر ليس الفساد بحد ذاته، بل اعتياده. أن يصبح التوظيف على أساس الولاء لا الجدارة أمرًا “طبيعيًا”. أن تُختصر معايير التقييم بالقرب الشخصي لا الإنتاجية. أن تُدار المؤسسات بعقلية حماية الصورة بدل إصلاح الجوهر. هنا تحديدًا تكمن الأزمة: حين تفقد المؤسسات قدرتها على الشعور بالخلل.
لكن السؤال الجوهري ليس: لماذا لا نملك نموذج أحمد عبد الحق؟
بل: ماذا لو وُجد في كل مؤسسة، ولو بنسبةٍ ضئيلة؟
الإصلاح لا يبدأ بقرار سياسي شامل فقط، بل بثقافة إدارية داخلية. بمدير يرفض التوقيع على خطأ ولو كلّفه ذلك منصبه. بمسؤول يضع نظامًا واضحًا للتقييم لا يستثني أحدًا. بمالك شركة يفضّل خسارة صفقة على خسارة سمعته المهنية. بمدير مدرسة أو مركز أو مستشفى يضع معايير مكتوبة وشفافة ويخضع لها قبل أن يُخضع غيره.
نحن لا نحتاج إلى بطلٍ تلفزيوني، بل إلى عقلية “مدير عام” في كل موقع:
عقلية ترى المنصب مسؤولية لا امتيازًا، وترى الرقابة حماية لا تهديدًا، وترى النقد فرصة لا إساءة.
في النهاية، المشكلة في لبنان ليست غياب القوانين فقط، بل غياب الإرادة الأخلاقية لتطبيقها. وما لم يتحول نموذج أحمد عبد الحق من شخصية درامية إلى ثقافة عمل، سيبقى الفساد أقوى من النوايا، وستبقى الشعارات أعلى صوتًا من الحقيقة.
الإصلاح ليس مستحيلاً. لكنه يبدأ حين يقرر كل موقع، عام أو خاص، أن يختار بين أن يكون “واجهة نظيفة” أو “مؤسسة نزيهة”. والفرق بين الاثنين… هو وجود أحمد عبد الحق…
