كتبت مادالينا شيلانو

في مشهد إعلامي يطغى عليه خطاب أحادي يختزل التاريخ ويعيد صياغته وفق سرديات جاهزة، جاء عرض الفيلم الوثائقي «الثورة: لنا الحق في المقاومة» ليقدّم قراءة مختلفة لتاريخ إيران الحديث، كاشفاً ما يعتبره صانعوه وجهاً مغيّباً من الحقائق المرتبطة بمرحلة حكم الشاه والتحولات التي قادت إلى الثورة الإسلامية.
«الحديقة» و«الغابة»: خلفية الخطاب الاستعلائي
من أبرز المحاور التي توقف عندها الوثائقي الإشارة إلى تصريحات مسؤولين أوروبيين حول تقسيم العالم بين «حديقة» تمثل الغرب و«غابة» تمثل بقية الشعوب. ويرى الفيلم أن هذا النوع من الخطاب يعكس رؤية متعالية شكّلت، تاريخياً، غطاءً أيديولوجياً لتدخلات سياسية واقتصادية تحت عنوان «التمدين» و«التحديث».
ويطرح العمل فكرة أن مثل هذه المقاربات لم تكن مجرد استعارات لغوية، بل تعبيراً عن عقلية سياسية بررت دعم أنظمة حليفة للغرب، حتى وإن كان ذلك على حساب سيادة الشعوب وحقوقها الأساسية.
أسطورة الشاه وسردية «الفردوس المفقود»
يتناول الوثائقي ما يصفه بمحاولات إعادة تلميع صورة الشاه محمد رضا بهلوي عبر استحضار مشاهد لطهران بملامح غربية وحداثة عمرانية لافتة. إلا أن العمل يقدّم قراءة مغايرة، معتبراً أن تلك المرحلة شهدت تحديثاً نخبوياً استفادت منه فئات محدودة، فيما بقيت شرائح واسعة خارج معادلة التنمية.
ويرى الفيلم أن الثورة لم تكن حدثاً مفاجئاً أو انحرافاً عن المسار، بل جاءت نتيجة تراكمات سياسية واجتماعية واقتصادية، وشعور متنامٍ لدى قطاعات واسعة بأن القرار الوطني مرتهن لقوى خارجية.
القمع كشرارة: الطلاب ورجال الدين
يشير العمل إلى أن تصاعد الاحتجاجات لم يكن منفصلاً عن سياسة قمعية استهدفت المعارضين، وفي مقدمتهم الطلاب ورجال الدين. ويعرض شهادات ووثائق تتحدث عن ملاحقات واعتقالات طالت ناشطين ومثقفين، ما ساهم في توسيع رقعة الغضب الشعبي.
ويخلص الوثائقي إلى أن تحالف قوى اجتماعية متعددة، من جامعات ومؤسسات دينية، لعب دوراً محورياً في تحويل الاحتجاجات المتفرقة إلى حركة واسعة انتهت بسقوط النظام.
السافاك: أداة القبضة الحديدية
يتوقف الفيلم عند دور جهاز السافاك، جهاز الأمن والاستخبارات في عهد الشاه، مسلطاً الضوء على اتهامات واسعة وموثقة بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، من اعتقالات تعسفية إلى تعذيب ممنهج. ويعتبر العمل أن هذا الجهاز شكّل أحد أبرز رموز المرحلة، وعاملاً حاسماً في تأجيج السخط الشعبي.
نقاش حول الذاكرة وحق تقرير المصير
يختتم الوثائقي برسالة مفادها أن حق الشعوب في تقرير مصيرها لا يمكن اختزاله بمقاييس التحديث الشكلي أو الاندماج القسري في منظومات دولية غير متكافئة. فالتاريخ، كما يقدّمه العمل، ليس سردية واحدة ثابتة، بل ساحة صراع بين روايات متباينة، لكل منها خلفياتها وأهدافها.
وفي ظل محاولات مستمرة لإعادة قراءة أحداث الماضي، يطرح الفيلم سؤالاً مركزياً، هل يمكن بناء مستقبل مستقر من دون مصالحة حقيقية مع الذاكرة، ومن دون الاعتراف بحق الشعوب في اختيار مسارها السياسي والاقتصادي بحرية كاملة؟

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com