خاص مركز بيروت للأخبار- وكالات
في خطوة تتجاوز بعدها الإداري إلى دلالات جيوسياسية عميقة، أعلنت بكين إعفاء مواطني بريطانيا وكندا من تأشيرة الدخول حتى نهاية عام 2026، في قرار يسلّط الضوء على تحولات دقيقة في علاقة حلفاء الولايات المتحدة بالصين. وبين دبلوماسية الانفتاح الاقتصادي وإعادة تموضع القوى الغربية في عالم متعدد الأقطاب، يفتح هذا التطور الباب أمام قراءة أوسع لمسار التقارب الغربي–الصيني، وأسبابه القريبة والبعيدة، وتداعياته على التوازنات الدولية.
إقرأ أيضاً:
قادة الاتحاد الأوروبي يدعون لمواجهة المنافسة مع أميركا والصين: قد نخسر صناعاتنا بالكامل
قرارات ترامب ووعوده من كندا إلى لبنان.. ممثلٌ واحدٌ على مسرح العالم!
الصين تستخدم القوة الناعمة بذكاء
أعلنت وزارة الخارجية الصينية إعفاء المواطنين البريطانيين والكنديين من تأشيرة الدخول لمدة تصل إلى 30 يوماً، لأغراض السياحة والأعمال والزيارات العائلية والعبور، حتى 31 ديسمبر 2026. القرار يأتي في سياق سياسة أوسع تتبعها بكين منذ عام 2023 لتوسيع قائمة الدول المعفاة من التأشيرة، بهدف تحفيز السياحة والاستثمار واستعادة الزخم الاقتصادي بعد سنوات الإغلاق الصارم خلال جائحة كورونا.
من الناحية الاقتصادية، تمثل بريطانيا وكندا أسواقاً مهمة للاستثمار والتكنولوجيا والخدمات المالية. إعادة تسهيل الحركة بين هذه الدول والصين تعني عملياً تسريع تدفقات رجال الأعمال، وتخفيف كلفة المعاملات، وإعادة بناء الثقة التجارية التي تضررت بفعل التوترات السياسية خلال السنوات الماضية.
لكن التوقيت السياسي للقرار يمنحه وزناً إضافياً. فقد جاء بعد زيارات رسمية لكل من رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى بكين، في مؤشر على رغبة متبادلة بإعادة ضبط العلاقات. كما تزامن مع لقاءات دبلوماسية رفيعة المستوى على هامش مؤتمر ميونخ للأمن بين وزير الخارجية الصيني وونغ يي ونظيرته الكندية انيتا اناند .
خلال العقد الماضي، تراجعت العلاقات الصينية–البريطانية والصينية–الكندية بسبب ملفات أمنية وتجارية، أبرزها الجدل حول شبكات الجيل الخامس، وملف هونغ كونغ، وأزمة اعتقال مسؤولة تنفيذية في شركة هواوي. غير أن التحولات الاقتصادية العالمية، وتباطؤ النمو في أوروبا وأمريكا الشمالية، دفعت هذه الدول إلى إعادة تقييم مقاربتها تجاه الصين. دبلوماسية التأشيرة تمثل أحد أدوات “القوة الناعمة” التي تستخدمها بكين لاستعادة الثقة وإعادة فتح قنوات التواصل، بعيداً عن الخطاب التصادمي.
تصدعات داخل المعسكر الغربي أم براغماتية اقتصادية؟
تاريخياً، شكلت بريطانيا وكندا جزءاً من المنظومة الأمنية والسياسية التي تقودها الولايات المتحدة. غير أن السنوات الأخيرة شهدت تباينات متزايدة في طريقة إدارة العلاقة مع الصين، خاصة في ظل سياسات أكثر صرامة اتبعتها إدارة دونالد ترامب تجاه بكين، شملت رسوماً جمركية واسعة، وقيوداً على التكنولوجيا، وضغوطاً على الحلفاء لتقليص انخراطهم مع الشركات الصينية.
تصريحات ترامب التي وصفت تقارب لندن وأوتاوا مع بكين بأنه “أمر خطير جداً” تعكس قلقاً أميركياً من تآكل جبهة الاصطفاف الغربي الموحد. إلا أن الحكومتين البريطانية والكندية تبدوان أكثر ميلاً إلى الفصل بين الملفات الأمنية الحساسة والملفات الاقتصادية.
في بريطانيا، تبحث الحكومة عن توسيع شراكاتها التجارية في مرحلة ما بعد “بريكس”، مع حاجة ملحة لتعويض التباطؤ في النمو والاستثمار. أما كندا، التي يعتمد اقتصادها بشكل كبير على التصدير، فتسعى لتنويع شركائها التجاريين لتقليل الاعتماد المفرط على السوق الأمريكية.
منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، تحوّل مركز الثقل الاقتصادي العالمي تدريجياً نحو آسيا. الصين أصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وشريكاً تجارياً رئيسياً موثوقاً لمعظم الدول الصناعية. في المقابل، شهدت العلاقات عبر الأطلسي فترات توتر تجاري، سواء خلال إدارة ترامب أو بسبب الخلافات حول الدعم الصناعي والسياسات المناخية. هذه البيئة دفعت بعض الحلفاء الغربيين إلى تبني مقاربة “إزالة المخاطر” بدلاً من “فك الارتباط الكامل” مع الصين، أي تقليل الاعتماد الاستراتيجي دون قطع العلاقات الاقتصادية.
الاقتصاد والجغرافيا السياسية… لماذا الآن؟
التحرك الصيني يأتي في وقت تشهد فيه بكين تحديات داخلية، من تباطؤ النمو إلى أزمة قطاع العقارات وتراجع الاستثمارات الأجنبية. فتح الأبواب أمام مواطني دول غربية متقدمة يعكس محاولة لإنعاش الثقة وإرسال رسالة بأن الصين لا تزال منفتحة على الأعمال.
في الوقت نفسه، تواجه بريطانيا وكندا ضغوطاً اقتصادية داخلية، تشمل التضخم، وارتفاع تكاليف المعيشة، والحاجة إلى جذب استثمارات جديدة. الصين، بسوقها الاستهلاكية الضخمة وسلاسل توريدها المتكاملة، تبقى عنصراً لا يمكن تجاهله في أي استراتيجية نمو طويلة الأمد.
التقارب الحالي لا يعني بالضرورة تحالفاً سياسياً جديداً، لكنه يعكس واقعية اقتصادية في عالم يتجه نحو التعددية القطبية، حيث تتداخل المصالح وتتقاطع التحالفات.
ولا ننسى أن السنوات الأخيرة شهدت صعود مفهوم “العالم متعدد الأقطاب”، مع تنامي أدوار الصين والهند ودول جنوب شرق آسيا. في هذا السياق، تسعى بكين إلى بناء شبكة علاقات مرنة تقوم على المصالح الاقتصادية المتبادلة، فيما تحاول الدول الغربية الموازنة بين شراكتها الأمنية مع واشنطن وحاجتها الاقتصادية إلى آسيا. إعفاء التأشيرة قد يبدو إجراءً تقنياً، لكنه جزء من هذه المعادلة الأكبر.
وفي المحصلة لا بد أن نأخذ قرار الإعفاء من التأشيرة على أنه يمثل أداة سياسية واقتصادية في آن واحد. الصين تستخدمه لتعزيز صورتها كقوة منفتحة، ولجذب الاستثمارات والسياحة، ولتخفيف الضغوط التي تواجهها في ظل المنافسة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.
كما أن هذا التقارب مهم للبريطانيين والكنديين أيضاً، فالتحرك البريطاني والكندي يعكس براغماتية واضحة. فبينما لا تزال الروابط الأمنية مع واشنطن راسخة، إلا أن الاعتبارات الاقتصادية تفرض تنويع الشراكات. هذا لا يعني انقلاباً على التحالفات التقليدية، بل إعادة تموضع أكثر مرونة مع توسيع مدى الاستثمارات والشراكات تحسباً لأي طارئ.
وهنا، يجب التأكيد على أن المشهد يكشف عن تحوّل تدريجي في النظام الدولي، حيث لم يعد الاصطفاف الثنائي الصارم قابلاً للاستمرار بنفس الشكل. الدول المتوسطة والقوى الصناعية الكبرى تبحث عن توازن بين الأمن والاقتصاد، وبين الالتزام السياسي والمصلحة الوطنية.
ويبقى السؤال، هل يمهّد هذا التقارب لتغييرات أعمق في بنية التحالفات الغربية، أم أنه سيظل ضمن حدود التعاون الاقتصادي؟ الإجابة ستتضح مع تطور العلاقة الثلاثية بين بكين ولندن وأوتاوا، مع الأخذ بالاعتبار كيفية إدارة واشنطن لهذا التحول في السنوات المقبلة.
شاركنا رأيك:
