من المتوقع أن ترتفع العملات المشفرة خلال تعاملات 2026 ولكن ضمن أداء متقلب (رويترز)
اقتصاد- بلوبيرغ
تدخل سوق العملات المشفّرة مرحلة إعادة تموضع عميقة، بعد موجة بيع حادّة محَت أكثر من 23% من القيمة السوقية الإجمالية لتستقر عند نحو 2.29 تريليون دولار.
الارتداد الطفيف الذي تجاوز 1% في جلسة الجمعة لم ينجح في تبديد القلق، إذ تواصل المعنويات السلبية الضغط على أكبر أصلين رقميين في العالم بيتكوين وايثروم، في ظل نزيف سيولة مؤسسية، وخروج مليارات الدولارات من صناديق المؤشرات المتداولة، وتصاعد العزوف العالمي عن المخاطرة.
المشهد لا يعكس انهياراً بقدر ما يكشف إعادة تسعير قاسية قد تعيد رسم ملامح الدورة حتى عام 2026.
منذ اضطراب أوائل أكتوبر، سجّلت صناديق بيتكوين المتداولة تدفقات خارجة تقارب 7.9 مليار دولار، بينها 1.8 مليار خلال العام الجاري. أما صناديق إيثريوم فسُحب منها نحو 3.2 مليار دولار، منها 462 مليوناً هذا العام.
هذه الأرقام لا تُقرأ كحركة عابرة، بل كتحوّل في شهية المستثمرين المؤسسيين الذين دخلوا السوق خلال الطفرة السابقة عبر قنوات منظّمة.
لاسي تشانغ، محللة الأسواق في Bitget Wallet، ترى أن التراجع نتاج تراكمي لمزيج من تصفية مراكز من كبار المستثمرين وخفض مديونية واسع أنهى دورة مضاربات مفرطة وانكماش السيولة المؤسسية إضافة إلى موجات بيع متسلسلة غذّتها رهانات الهبوط.
وبرغم قسوة التصحيح على المدى القصير، تصفه تشانغ بـ”إعادة ضبط طبيعية” قد تعزّز متانة السوق وتفتح الباب أمام دورة أكثر استدامة يقودها مستثمرون طويلي الأجل.
المشتقات تقول كلمتها… تمويل سلبي ورهانات هبوط
عملة بتكوين خسرت أكثر من 21_ خلال السنة الحالية (غيتي)
في سوق المشتقات، استقرت معدلات تمويل عقود بيتكوين الدائمة دون الصفر—إشارة واضحة إلى أن المتداولين يدفعون للحفاظ على مراكز بيع، ما يعكس توقّعاً بضغوط إضافية في الأجل القريب. هذه القراءة الفنية تتقاطع مع مناخ كلي يتسم بارتفاع كلفة الأموال وتقلّص شهية المخاطرة عالمياً، ما يدفع الأصول عالية التقلب إلى واجهة التخارج.
أرقام الهبوط… ما الذي خسرته العملتان الأكبر؟
بيتكوين تراجعت بنحو 23.78% هذا العام إلى 66,801 دولاراً، بعدما اقتربت من 60 ألفاً قبل ارتداد محدود. كما محا التراجع مكاسبها منذ إعادة انتخاب دونالد ترامب أواخر 2024، وسجّلت أطول سلسلة خسائر شهرية منذ 2018.
إيثريوم خسرت نحو 34.3% إلى 1,955 دولاراً، وبقيت ضمن اتجاه هبوطي بعد كسر نطاق 2800–3000 دولار، وفق راشيل لوكاس من BTC Markets، بحسب ما نقلته Bloomberg.
هذه الأرقام تعكس انتقال السوق من مرحلة “رواية النمو” إلى مرحلة “حساب المخاطر”.
التشريع الأمريكي… متغير قد يعيد تشكيل الخريطة
يرى سيث هيرتلين، رئيس السياسات العالمية في لاديغير، أن الأنظار تتجه إلى الكونغرس الأمريكي لإقرار تشريع هيكلة سوق الأصول الرقمية قبل انتخابات التجديد النصفي. في حال إقراره، قد يتحوّل إلى معيار عالمي بحكم وزن السوق الأمريكية، خاصة أن إطار ميكا الأوروبي يواجه انتقادات بتقييد ديناميكية السوق، فيما تظل أطر أكثر مرونة—كالإمارات والسلفادور—أصغر من أن ترسم الاتجاه العالمي.
المعادلة هنا سياسية بقدر ما هي مالية، وهي وضوح القواعد قد يستدعي عودة التدفقات المؤسسية، فيما الغموض يمدّد دورة الحذر.
الجغرافيا السياسية… شبح المخاطر الخارجية
لا يمكن فصل مسار الكريبتو عن بيئته الكلية. التوترات الأمريكية–الصينية، ملف تايوان، والاحتكاك الإيراني–الأمريكي–الإسرائيلي، كلها متغيرات قد تدفع المستثمرين إلى التحوّط. مامادو كويدجيم توري، مؤسس منصة Ubuntu Tribe، لا يستبعد هبوط بيتكوين إلى نطاق 40–50 ألف دولار قبل أي تعافٍ، مرجّحاً مساراً تصاعدياً متدرّجاً حتى نهاية العام مع بقاء التقلبات مرتفعة.
سيناريو الصعود
بيتكوين بين 150 و180 ألف دولار
إيثريوم بين 5 و6 آلاف دولار
تجدّد تدفقات ETF
توسّع استخدام العملات المستقرة
دخول أعمق للمؤسسات التقليدية
سيناريو المراوحة أو الهبوط
ويؤكد مراقبون أن هناك عدة سيناريوهات تتراوح بين استمرار خروج السيولة وتشديد تنظيمي مفاجئ وصدمة مالية أو تصعيد جيوسياسي إضافة إلى تمدّد رهانات الهبوط في المشتقات.
تصحيح أم بداية دورة جديدة؟
ما يحدث اليوم ليس نهاية القصة، بل فصل انتقالي. السوق تتخلّص من روافع مفرطة وتعيد تسعير المخاطر في بيئة عالمية أكثر تعقيداً. بين نزيف الصناديق وضبابية التشريعات وضغوط الجغرافيا السياسية، سيحدّد عام 2026 ما إذا كان هذا الشتاء مقدّمة لربيع رقمي جديد—أم لمرحلة أطول من الاختبار.