باسم الموسوي

عندما يُذكر اسم ونستون تشرشل يتقدّم إلى الذاكرة فورًا مشهدُ الرجل الذي تحدّى هتلر، وخطبته الشهيرة عن “الدم والعرق والدموع”، وصورته سيجارًا بيده ونصرًا في الأفق. غير أنّ هذا البناء الرمزي الذي صاغته الذاكرة الغربية بعد الحرب العالمية الثانية لم يكن نتيجة قراءة محايدة للتاريخ، بل كان حصيلة عملية انتقائية فصلت “بطل الحرب” عن “رجل الإمبراطورية”، ورفعت الأول إلى مرتبة الأسطورة، فيما حُجبت الثاني داخل هوامش السردية الرسمية. إنّ تفكيك أسطورة تشرشل لا يعني إنكار دوره في مواجهة النازية، بل يعني وضع ذلك الدور داخل سياق أوسع: سياق إمبراطورية كانت تقوم على العنف البنيوي، وعلى تراتبية عنصرية صريحة، وعلى إدارة الشعوب المستعمَرة بمنطق القمع والتقسيم.
لقد كان تشرشل قبل أن يصبح رمزًا للصمود البريطاني أحد أبرز المدافعين عن استمرار الإمبراطورية في عصر بدأت فيه رياح التحرّر تهبّ من الهند إلى المشرق. في كتاب Churchill’s Empire: The World That Made Him and the World He Made يبيّن ريتشارد توي كيف تشكّلت رؤية تشرشل للعالم داخل أفقٍ إمبراطوريّ يرى التفوّق البريطاني حقيقة تاريخية وأخلاقية معًا، ويرى الشعوب الخاضعة بحاجة إلى “قيادة” ولو بالقوة. لم تكن هذه مجرّد لغة عصر؛ بل كانت قناعة راسخة انعكست في سياسات عملية، من الهند إلى العراق وفلسطين.
أحد أكثر الملفات دلالة هو ملفّ مجاعة البنغال سنة 1943. ففي خضمّ الحرب العالمية الثانية، وبينما كانت لندن تقاتل من أجل البقاء، كانت ملايين الأرواح في الهند تموت جوعًا. تُظهر دراسة Churchill’s Secret War: The British Empire and the Ravaging of India during World War II لمادهوسري موكيرجي كيف تداخلت السياسات العسكرية والاقتصادية البريطانية مع إهمال متعمّد لنداءات الاستغاثة. لم يكن النقص في الغذاء نتيجة كارثة طبيعية فحسب، بل نتاج سياسات مصادرة السفن والحبوب وتحويل الموارد نحو الجبهة الأوروبية، مع رفض متكرر لإرسال شحنات إغاثة رغم توافرها في مستعمرات أخرى. والأخطر من ذلك أنّ المراسلات تكشف نظرة استخفاف عنصري تجاه الهنود، وكأنّ موتهم قدرٌ لا يستدعي التعاطف نفسه الذي يُمنح للمواطن البريطاني. إنّ المجاعة، في هذا المعنى، لم تكن “حادثًا جانبيًا” في زمن الحرب، بل تجلّيًا لمنطق يضع حياة الإمبراطورية فوق حياة المستعمَرين.
هذا المنطق نفسه يظهر في العراق بعد الحرب العالمية الأولى. عندما واجهت بريطانيا تمرّدًا ضد الانتداب سنة 1920، دافع تشرشل، وكان آنذاك وزيرًا للحرب، عن استخدام القوة الجوية لقمع الانتفاضة، بل وأبدى استعدادًا لاستخدام الغاز ضد “القبائل المتمرّدة”. قد يقال إنّ استخدام الغاز لم يُنفَّذ فعليًا بالصورة التي تُتداول أحيانًا، لكنّ الثابت تاريخيًا هو أنّ الفكرة لم تكن مستبعدة أخلاقيًا لديه، وأنّ القصف الجوي كان أداةً لإدارة الإمبراطورية بأقل كلفة بشرية بريطانية، ولو على حساب المدنيين المحليين. هنا تتبدّى المفارقة: الرجل الذي صار رمزًا للدفاع عن الحرية الأوروبية، لم يرَ تناقضًا بين تلك الحرية وبين إخضاع شعوب أخرى بالقصف.
أما في فلسطين، فقد تجلّت سياسات الإمبراطورية عبر هندسة سياسية أفضت إلى صراعٍ طويل الأمد. تقرير Peel Commission كان لحظة مفصلية في التفكير البريطاني بشأن تقسيم الأرض بوصفه حلًا إداريًا للنزاع. لم يكن تشرشل صاحب التقرير، لكنه كان من أبرز المدافعين عن المشروع الصهيوني ضمن رؤية أوسع تعتبر الوجود البريطاني في المشرق ضرورة استراتيجية. لقد أُديرت القضية الفلسطينية آنذاك من منطق إمبراطوري يوازن بين المصالح البريطانية والضغوط الدولية، لا من منطلق حقّ الشعوب في تقرير مصيرها. إنّ النتيجة كانت “تركة استعمارية” تركت المنطقة في حالة توتر دائم، وهي تركة لا تزال آثارها السياسية والأمنية ماثلة حتى اليوم.
تُظهر أعمال Legacy of Violence: A History of the British Empire لكارولاين إلكينز أنّ العنف لم يكن انحرافًا عرضيًا في تاريخ الإمبراطورية البريطانية، بل كان جزءًا من بنيتها القانونية والإدارية. ففي كينيا مثلًا، خلال قمع تمرّد الماو ماو في الخمسينيات، أُنشئت معسكرات اعتقال وارتُكبت انتهاكات جسيمة. صحيح أنّ تلك الأحداث وقعت بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أنّ الذهنية التي شرعنتها كانت امتدادًا لفكرةٍ راسخة مفادها أنّ الإمبراطورية تملك الحقّ في “تأديب” مستعمراتها. وتشرشل، بصفته أحد أبرز رموز تلك الإمبراطورية، لم يكن خارج هذا السياق بل في قلبه.
إنّ أسطورة “بطل الحرب” تُبنى عادة عبر اختزال التاريخ في لحظةٍ واحدة: سنة 1940، عندما رفضت بريطانيا الاستسلام. غير أنّ التاريخ ليس لحظةً معزولة، بل شبكة علاقات ممتدة. فإذا كان تشرشل قد وقف في وجه النازية، فإنّه فعل ذلك دفاعًا عن إمبراطورية لم تكن هي نفسها خالية من منطق التفوق العرقي والاستعمار. الفارق بين النازية والإمبراطورية البريطانية كان في الشكل والحدود، لا في المبدأ القائل بوجود تراتبية حضارية تبرّر السيطرة.
من هنا يصبح الربط بالواقع اللبناني/العربي أمرًا ضروريًا لا بوصفه إسقاطًا سياسيًا، بل قراءة تاريخية لنتائج السياسات الإمبراطورية. فالمشرق العربي خرج من الحربين العالميتين بحدود مصطنعة، واقتصادات ريعية، ونخب وسيطة ارتبطت بالمركز الاستعماري. في لبنان تحديدًا، تشكّلت الدولة في ظلّ انتدابٍ فرنسي، لكنّ السياق العام كان جزءًا من إعادة رسم خريطة المنطقة وفق مصالح القوى الكبرى، ومنها بريطانيا. لقد أسهمت تلك المرحلة في تكريس الطائفية السياسية كصيغة حكم، وفي ربط الاقتصاد المحلي بشبكات خارجية، وفي خلق هشاشة بنيوية ما زالت تتكرّر أزماتها.
إنّ النظر إلى تشرشل من هذا المنظور لا يعني تحميله وحده مسؤولية كلّ ما جرى، بل فهمه كرمز لحقبةٍ تأسيسية. فالسياسات التي دعمها أو دافع عنها ساهمت في تشكيل شرق أوسط قائم على التوازنات المفروضة، وعلى صراعات مؤجلة. إنّ فكرة “إدارة الأزمات بدل حلّها” التي ميّزت السياسة الإمبراطورية ما زالت تجد صداها في التعاطي الدولي مع قضايا المنطقة، من فلسطين إلى لبنان.
في الحالة اللبنانية، يمكن رصد أثر الإرث الإمبراطوري في ثلاثة مستويات: أولًا، في بنية النظام السياسي القائم على توازنات طائفية ترعاها قوى خارجية؛ ثانيًا، في الاقتصاد الذي نشأ مرتبطًا بالمركز المالي العالمي أكثر مما هو مرتبط بقاعدة إنتاجية وطنية؛ وثالثًا، في الثقافة السياسية التي تميل إلى طلب “الضامن الخارجي” بدل بناء عقد اجتماعي داخلي متماسك. هذه العناصر ليست نتاج قرار واحد أو شخص واحد، لكنها تشكّلت في بيئة دولية كان فيها منطق الإمبراطورية حاضرًا بقوة.
إنّ تفكيك أسطورة تشرشل يحرّرنا من القراءة الأخلاقية الأحادية للتاريخ. فالرجل الذي يُحتفى به في الغرب باعتباره منقذ الديمقراطية، كان في الوقت نفسه جزءًا من نظامٍ لا يرى بأسًا في قمع تطلعات شعوب أخرى. إنّ الاعتراف بهذا التعقيد لا يهدف إلى قلب الأسطورة إلى شيطنة، بل إلى إعادة التوازن إلى السردية. فالبطولة لا تُقاس فقط بالانتصار في حربٍ كبرى، بل أيضًا بكيفية التعامل مع الضعفاء والمستضعفين.
في السياق العربي، يصبح هذا التفكيك فعلًا معرفيًا ضروريًا لفهم جذور أزماتنا. إنّ كثيرًا من النزاعات الحالية ليست إلا امتدادًا لتسويات إمبراطورية لم تُبنَ على العدالة بل على المصلحة. حين ننظر إلى خرائط المشرق، وإلى طبيعة اقتصاداتنا، وإلى هشاشة مؤسساتنا، نجد آثار تلك المرحلة واضحة. لا يكفي أن نحمّل الداخل وحده المسؤولية، ولا أن نختزل الخارج في نظرية مؤامرة، بل يجب أن نفهم كيف تداخل العاملان في لحظة تأسيسية كانت الإمبراطوريات فيها اللاعب الأساسي.
بهذا المعنى، فإنّ تشرشل ليس مجرد شخصية تاريخية، بل رمز لعصرٍ شكّل عالمنا المعاصر. تفكيك أسطورته هو خطوة أولى نحو تفكيك الأساطير السياسية التي ما زالت تُستعمل لتبرير اختلال موازين القوة. إنّ قراءة علمية كاشفة للحقائق تفرض علينا الاعتراف بأنّ التاريخ مركّب، وأنّ الدفاع عن الحرية في مكانٍ لا يُلغي المشاركة في قمعها في مكانٍ آخر.
إنّ استعادة هذه الحقيقة لا تهدف إلى إعادة فتح جراح الماضي، بل إلى بناء وعيٍ تاريخيٍّ قادر على التحرّر من السرديات المنتقاة. فحين نفهم كيف صُنعت الأسطورة، وكيف جرى فصل “بطل الحرب” عن “رجل الإمبراطورية”، نصبح أقدر على مساءلة حاضرنا أيضًا. فالتاريخ، في نهاية المطاف، ليس تمثالًا في ساحة، بل شبكة علاقات حيّة تمتدّ آثارها إلى يومنا هذا.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com