عربي- إنساني- السودان- وكالات
في زمن تتصدر فيه صور الحرب والنزوح عناوين الأخبار، اختار عارض الأزياء والناشط السوداني جيل مالوال أن يصنع عنواناً مختلفاً: 1450 كيلومتراً مشياً من جنوب إنجلترا إلى أقصى شمال اسكتلندا، في قلب الشتاء القارس، لجمع تبرعات لبناء مدارس لأطفال السودان النازحين. النتيجة؟ أكثر من 100 ألف جنيه إسترليني، وثلاث إلى أربع مدارس محتملة بدل مدرسة واحدة.
رحلة تتجاوز المغامرة… وتدخل السياسة الإنسانية
لم تكن الخطوة رياضية ولا استعراضية. مالوال تعمّد أن يسير في درجات حرارة وصلت إلى خمس وست درجات تحت الصفر، 13 ساعة يومياً، قاطعاً ما بين 35 و40 كيلومتراً، ليختبر كما قال “جزءاً بسيطاً من معاناة السودانيين”.
في وقت تتراجع فيه التغطية الدولية للأزمة السودانية، اختار ناشط سوداني أن ينقل القضية إلى الشارع البريطاني، حرفياً. الجليد كان منصته الإعلامية، والطريق الطويل أداته للضغط الأخلاقي.
من 35 ألفاً إلى 100 ألف… حين يتحول التعاطف إلى أرقام
الهدف الأولي كان جمع 35 ألف جنيه لبناء مدرسة واحدة، لكن التبرعات تخطت 100 ألف جنيه إسترليني (نحو 136 ألف دولار)، ما يفتح الباب لبناء ثلاث أو أربع مدارس.
لكن في الحسابات الأوسع، هو اختبار لقدرة المبادرات الفردية على سد فجوات تتركها السياسة الدولية في أزمات النزوح والتعليم.
التعليم في قلب الأزمة السودانية
منذ اندلاع الصراع في السودان، انهارت بنى تعليمية كاملة في مناطق عدة، ووجد مئات آلاف الأطفال أنفسهم خارج المدارس. النزوح الداخلي واللجوء عبر الحدود جعلا التعليم ترفاً في بيئات تعيش على حافة البقاء.
مبادرة مالوال تأتي في لحظة تتزايد فيها التحذيرات من “جيل ضائع” إذا لم يُعاد بناء منظومة التعليم سريعاً، خصوصاً في مناطق النزوح.
تضامن في زمن الخطاب العنصري
رغم تصاعد الخطابات اليمينية في أوروبا، يقول مالوال إنه خلال 33 يوماً لم يواجه أي عنصرية، بل تلقى دعماً واسعاً من أشخاص التقوا به على الطريق، وهي مفارقة تعكس فجوة بين الخطاب السياسي المتشدد أحياناً، والسلوك المجتمعي الفعلي على الأرض.
ما بعد الرحلة
الرحلة انتهت جغرافياً، لكنها بدأت عملياً، فالمرحلة المقبلة تتركز على تنفيذ مشاريع المدارس وضمان استدامتها، لأن التحدي لا يكمن فقط في البناء، بل في حماية التعليم من الانقطاع مجدداً.
في مشهد دولي مزدحم بالأزمات، أعاد مالوال تذكير العالم بحقيقة بسيطة، أحياناً يحتاج ملف منسي إلى 1450 كيلومتراً كي يعود إلى الضوء.
شاركنا رأيك:
