تضمن قانون الأحزاب السياسية الجديد في الجزائر حظرًا صارمًا بحق المتورطين في الأزمة الأمنية الدامية التي شهدتها الجزائر في التسعينيات، وأيضاً الأشخاص الذين ترتبط بهم قضايا ذات صلة باستغلال الدين والهوية لـ”إثارة النعرات الداخلية”، من المشاركة أو الانتماء إلى أحزاب سياسية في البلاد، في خطوة وقائية لمنع تكرار الوقائع الأليمة، و”حماية المجتمع والدولة والمؤسسات من الخطاب المتشدد واستغلال المكونات الوطنية لإثارة أزمات في البلاد”.
ويعقد البرلمان الجزائري في 15 فبراير/ شباط الجاري جلسة نقاش محدود (تدخل رؤساء الكتل النيابية فقط) لمناقشة مسودة قانون جديد للأحزاب السياسية، لتسريع التصويت عليه في 24 من الشهر الجاري، في أعقاب مشاورات أجرتها لجنة الشؤون القانونية والحريات في البرلمان مع 22 حزبًا سياسيًا، حول المسودة التي تتضمن مراجعة تنظيم النشاط الحزبي في الجزائر، وفرض قواعد جديدة لـ”تخليق الحياة الحزبية، ومحاربة الانحراف والفساد السياسي”.
وإضافة إلى جملة مواد خلافية، تبرز ضمن مواد القانون الجديد المادة 23 من قانون الأحزاب الجديد، والتي تنص على أنه “يمنع تأسيس حزب سياسي أو المشاركة في تأسيسه أو في هيئاته المسيرة، أو الانخراط فيه، على كل شخص مسؤول عن استغلال ثوابت الأمة التي أفضت إلى المأساة الوطنية، وأي شخص مسؤول عن استغلال الدين أو اللغة أو الهوية، أو ينتمي إلى أشخاص وكيانات مسجلين في القائمة الوطنية للإرهاب”، ضمن سياق تدابير احترازية لمنع تكرار ما يُعرف في الخطاب الرسمي بـ”المأساة الوطنية الدامية” التي شهدتها الجزائر في فترة التسعينيات، نتيجة الخطاب المتشدد الذي تبنته “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” (محظورة منذ مارس/ آذار 1992)، والذي أفضى إلى حرب دامية خلفت أكثر من 120 ألف قتيل.
ويعتبر الناشط الحقوقي والمحامي البارز عبد الغني بادي أن المادة الموجودة في قانون الأحزاب الجديد تتضمن مساسًا بالحقوق السياسية لهؤلاء وفقًا للدستور. وقال بادي، في تصريح لـ”العربي الجديد”: “الأمر الذي يجب الرجوع إليه، هو عدم دستورية النص بصيغته الحالية في هذا الجانب المتعلق بحرمان مواطن من حقه في الممارسة السياسية. إنه مخالف تمامًا لنص الدستور الذي يكفل الحق في الممارسة السياسية للجميع، يُضاف إلى هذا أن هذا المنع يتعارض مع نص المادة 21 من ميثاق السلم والمصالحة التي ألغت جميع إجراءات الحرمان من الحقوق للذين استفادوا من قانون المصالحة (صدر باستفتاء شعبي عام 2005)، فبالنتيجة النص سيكون متعارضًا تمامًا مع ميثاق السلم والمصالحة الذي يندرج كذلك ضمن ديباجة الدستور، ومع النصوص الدستورية”.
واللافت أن مسودة القانون الجديد لا تأخذ، بأي حال من الأحوال، حالات إجراء المعنيين مراجعات فكرية أو تراجعهم السياسي والعلني عن مواقف وممارسات ذات صلة بمسببات الأزمة، أو حصولهم على عفو وتسويات قانونية. فبرغم سن السلطات لقانون الوئام المدني عام 1999، ثم قانون المصالحة الوطنية عام 2005، والذي أقر عفوًا عن المسلحين وكوادر جبهة الإنقاذ، إلا أن السلطات ظلت متشددة في رفض أي عودة ممكنة لـ”المسلحين التائبين” أو قيادات وإطارات جبهة الإنقاذ للنشاط السياسي، بسبب المسؤولية في الأزمة الأمنية، إذ أدان القضاء الجزائري، الأحد الماضي، 16 من شيوخ وإطارات جبهة الإنقاذ بعامين سجنًا، كان قد جرى توقيفهم بعد إصدارهم في أكتوبر/ تشرين الأول 2023 بيانًا باسم الحزب المحظور، وأُفرج عنهم لانقضاء فترة محكوميتهم.
