فواخرجي من أرض الملائكة تهدي غزة… وتغضب شياطين التطبيع العربي
خاص مركز بيروت للأخبار- ثقافة وفن- وكالات
تحوّل تكريم الفنانة السورية سلاف فواخرجي في مهرجان “فجر” السينمائي الإيراني إلى عاصفة سياسية وإعلامية عابرة للحدود، بعدما أثارت كلماتها في الإشادة بالسينما الإيرانية سجالاً حاداً بين مؤيدين يرون في موقفها دفاعاً عن ثقافة “العدالة والموقف”، ومنتقدين يعتبرون أن أي تقارب مع طهران يحمل أبعاداً سياسية تتجاوز الفن. وبين الفن والسياسة، عاد السؤال القديم إلى الواجهة: هل يمكن فصل الإبداع عن الاصطفاف الإقليمي في شرق أوسط مشتعل؟
لم تمضِ ساعات على إعلان فوز سلاف فواخرجي بجائزة أفضل ممثلة رئيسة عن دورها في فيلم “أرض الملائكة” ضمن مهرجان “فجر” السينمائي في إيران، حتى تصدّر اسمها منصات التواصل الاجتماعي في سورية وخارجها.
فواخرجي نشرت رسالة شكر عبر حسابها على منصة “إكس”، حيّت فيها “السينما الإيرانية التي لم تفصل بين الجمال والعدالة، وبين الاحتراف والموقف”، بحسب تعبيرها. عبارة قصيرة، لكنها حملت دلالات سياسية وثقافية فتحت باباً واسعاً للتأويل.
قسم من المتابعين رأى في كلامها احتفاءً بمدرسة سينمائية معروفة عالمياً بطرحها الإنساني والاجتماعي، فيما اعتبر آخرون أن الإشادة بإيران لا يمكن فصلها عن موقعها السياسي في المنطقة، خاصة في ظل تاريخها في سورية ودعمها للنظام السابق خلال سنوات الحرب.
“أرض الملائكة”… الحرب من زاوية إنسانية
“أرض الملائكة”… الحرب من زاوية إنسانية
فيلم “أرض الملائكة” الذي نالت عنه فواخرجي الجائزة، يروي رحلة امرأة تحاول مواجهة المآسي التي تحيط بها، كاشفًا أثر الحروب والصدمات النفسية على البشر، ولا سيما الأطفال.
العمل يندرج ضمن تيار سينمائي يركز على المعاناة الإنسانية بعيداً عن الخطاب المباشر، وهو ما جعل بعض النقاد يعتبرون فوز فواخرجي تتويجاً لمسيرة فنية طويلة، لا موقفاً سياسياً بحد ذاته.
سلاف فواخرجي، المولودة في اللاذقية عام 1977، تعد من أبرز نجمات الدراما السورية والعربية منذ أواخر التسعينيات، وبرزت في أعمال مبكرة مثل “نسيم الروح”، قبل أن تكرّس حضورها في السينما والتلفزيون عبر أدوار مركبة وشخصيات نسائية قوية.
انقسام سوري متجدد
غير أن الجدل حول فواخرجي لا ينفصل عن مواقفها السياسية السابقة. فقد تعرضت خلال السنوات الأخيرة لانتقادات واسعة بسبب تصريحات اعتُبرت دفاعاً عن نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، خاصة عندما نفت علمها بوجود سجون ومراكز اعتقال شهدت انتهاكات جسيمة، وفق ما وثقته منظمات حقوقية.
وفي أبريل (نيسان) 2025، صدر قرار بشطبها من نقابة الممثلين السوريين، بعدما اعتُبرت تصريحاتها “إنكاراً للجرائم وتنكراً لآلام السوريين”.
قرار الشطب أعاد الجدل حول علاقة الفنان بالسلطة، وحول حدود حرية التعبير في سياق بلد عاش حربًا طويلة وانقسامات حادة.
الفن في زمن الاستقطاب
قضية فواخرجي تعكس إشكالية أوسع تتجاوز شخصها، هل يمكن للفنان أن يتحرك في فضاء ثقافي إقليمي من دون أن يُحسب على محور سياسي معين؟
في شرق أوسط تتداخل فيه السياسة بالثقافة، يصبح أي تكريم أو مشاركة في مهرجان إقليمي حدثًا قابلًا للتسييس. فمهرجان “فجر” نفسه يحمل رمزية مرتبطة بالثورة الإسلامية الإيرانية، ما يجعل المشاركة فيه، بنظر البعض، موقفاً بحد ذاته.
في المقابل، يرى آخرون أن الفن بطبيعته عابر للحدود، وأن السينما الإيرانية حصدت جوائز عالمية كبرى، من “كان” إلى “الأوسكار”، بفضل لغتها البصرية والإنسانية، بعيداً عن الاصطفافات السياسية.
بين التطبيع والاصطفاف
الفن بين التطبيع والاصطفاف
الجدل الذي رافق تكريم فواخرجي جاء في لحظة إقليمية حساسة، حيث تتصاعد النقاشات حول التطبيع العربي مع “إسرائيل”، وحول مستقبل التحالفات في المنطقة.
في هذا السياق، باتت أي إشارة ثقافية أو فنية تُقرأ أحياناً ضمن ثنائية “مقاومة أو تطبيع”، ما يضيق المساحة الرمادية التي يتحرك فيها الفنانون.
منتقدو فواخرجي رأوا في موقفها تجاهلاً لمعاناة السوريين خلال الحرب، بينما اعتبر مؤيدوها أن الهجوم عليها يعكس مناخاً إقصائياً لا يسمح بتعدد الآراء، ويخلط بين التقدير الفني والموقف السياسي.
صورة الفنان في زمن ما بعد الحرب
سيرة فواخرجي المهنية، الممتدة لأكثر من عقدين، تجعلها نموذجاً لدراسة العلاقة المعقدة بين الشهرة والموقف السياسي.
ففي عالم عربي يتابع نجومه عن كثب، تتحول تصريحاتهم إلى مادة للنقاش العام، ويصبح تاريخهم الشخصي جزءاً من السجال السياسي.
واللافت أن الجدل لم يقتصر على مضمون كلماتها، بل امتد إلى قراءة خلفيات مشاركتها في مهرجان إيراني تحديداً، ما يعكس حساسية العلاقة بين الثقافة والسياسة في الإقليم.
عاصفة لن تكون الأخيرة
تكريم سلاف فواخرجي في مهرجان “فجر” لم يكن مجرد حدث فني عابر، بل محطة جديدة في مسار جدلي طويل يختبر حدود الفن في بيئة سياسية مشحونة.
وبين من يرى في مشاركتها احتفاءً بثقافة سينمائية ذات حضور عالمي، ومن يعتبرها موقفاً سياسياً غير قابل للفصل عن سياقه، يبقى المؤكد أن معركة السرديات في الشرق الأوسط لم تعد تُخاض فقط في ميادين السياسة، بل أيضاً على خشبات المسرح وشاشات السينما ومنصات التواصل.