الأربعاء,2026/02/11 1:20 صباحًا
حسن حردان
وصلت عمليات الاستيطان الصهيوني والانتهاكات الصارخة للقانون الدولي في الضفة الغربية والقدس المحتلتين في عامي 2025 و2026، وصلت إلى مستويات “كارثية” خطيرة توصف بأنها مرحلة “الحسم الميداني” لإنهاء أيّ فرصة لقيام دولة فلسطينية مستقلة.
أولاً: التوسع الاستيطاني وخطورته
من يتابع ويدقق في خطط الاحتلال الاسرائيلي الاستيطانية يلحظ بأنّ الاحتلال انتقل من مرحلة “التوسع التدريجي” إلى مرحلة الضمّ الفعلي بحكم الأمر الواقع، وتتجلى الخطورة في النقاط التالية:
النقطة الأولى: وصل عدد المستوطنين الصهاينة في الضفة الغربية، من دون القدس، الى أرقام غير مسبوقة، حيث بلغ عددهم نحو 770 ألف مستوطن، ومع إضافة القدس يتجاوز الرقم المليون.
النقطة الثانية: أعلنت حكومة الاحتلال عن خطط لشرعنة نحو 70 بؤرة استيطانية عشوائية وتحويلها إلى مستوطنات رسمية، خاصة في شمال الضفة والأغوار.
النقطة الثالثة: تمّ إلغاء قيود تاريخية على بيع الأراضي، مما فتح المجال أمام “سوق عقارات” للمستوطنين، ونقل صلاحيات التخطيط والبناء في مناطق مثل الخليل إلى سلطات الاحتلال مباشرة.
النقطة الرابعة: أقامت مشاريع استيطانية تهدّد بخنق القدس المحتلة حيث تجري تنفيذ مشاريع لبناء آلاف الوحدات الاستيطانية (مثل مشروع مطار قلنديا) لعزل القدس تماماً عن محيطها الفلسطيني في رام الله وبيت لحم.
ثانياً: إرهاب المستوطنين
لم تعد اعتداءات المستوطنين مجرد حوادث فردية، بل تحوّلت إلى عنف ممنهج حكومة الاحتلال، وهذا ما تؤشر اليه المعطيات التالية:
*إحصائيات مرعبة: سُجل في عام 2025 وحده زهاء 24 ألف اعتداء نفذها جيش الاحتلال والمستوطنون، شملت حرق منازل، اقتلاع أشجار زيتون، وقتل ما لا يقلّ عن 14 فلسطينياً برصاص المستوطنين مباشرة.
*التهجير القسري: أدّت هذه الاعتداءات إلى تهجير أكثر من 13 تجمعاً بدوياً بالكامل في عام 2025، نتيجة ترهيب المستوطنين ومنع الرعاة من الوصول لآبار المياه والمراعي.
*الاقتحامات للأماكن الدينية: شهد المسجد الأقصى في 2025 أعلى معدل اقتحامات منذ عام 1967 (أكثر من 37 ألف مقتحم)، مع محاولات علنية لأداء طقوس تلمودية وذبح قرابين.
ثالثاً: عجز مجلس الامن والمجتنع الدولي، وأسبابه،
رغم صدور قرارات دولية صريحة (مثل القرار 2334) ورأي استشاري من محكمة العدل الدولية يقضي بعدم شرعية الاحتلال، إلا أن العجز يرجع لعدة أسباب:
1 ـ الفيتو الأميركي: استخدام الولايات المتحدة المتكرر لحق النقض يحمي “إسرائيل” من أيّ عقوبات فعلية أو قرارات ملزمة تحت الفصل السابع.
2 ـ ازدواجية المعايير: يكتفي المجتمع الدولي بـ “بيانات الإدانة” دون اتخاذ إجراءات عقابية (مثل حظر الأسلحة أو مقاطعة اقتصادية شاملة) كما يحدث في صراعات دولية أخرى.
3 ـ الدعم الحكومي الإسرائيلي المباشر: وجود وزراء في الحكومة الإسرائيلية (مثل سموتريتش وبن غفير) يتبنون الفكر الاستيطاني علناً ويوفرون الميزانية والحماية العسكرية للمستوطنين، مما يجعل الاستيطان “سياسة اسرائيلية رسمية”.
4 ـ غياب آلية التنفيذ: قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن تفتقر إلى آليات تنفيذية تجبر القوة القائمة بالاحتلال على الانسحاب أو وقف التوسع.
لكن ما المطلوب فلسطينياً لمواجهة هذا الخطر الاستيطاني؟
في مواجهة ما يُسمّى بـ “عام الحسم” (2025-2026) والمحاولات الإسرائيلية المتسارعة لضمّ الضفة الغربية، يتطلب فلسطينياً العمل على بلورة استراتيجية وطنية تتجاوز المواقف والخطابات التقليدية لتنتقل إلى “مقاومة الوجود وبقاء الأرض”.
1 ـ الوحدة الوطنية والميدانية:
لا يمكن مواجهة مشروع الضمّ في ظلّ الانقسام؛ لذا فإنّ التحركات الجارية في شباط 2026 تركز على:
ـ تشكيل قيادة وطنية موحدة: تفعيل الحوار الوطني (الذي بدأ مؤخراً في القاهرة) ليشمل كافة الفصائل دون استثناء، لبلورة رؤية سياسية وكفاحية موحدة.
ـ إصلاح منظمة التحرير والسلطة: إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير كممثل شرعي، وتحويل دور السلطة الفلسطينية من وظيفة “إدارية” إلى أداة “حماية وطنية” تدعم صمود المواطنين بدلاً من مجرد التنسيق.
2 ـ بلورة استراتيحية تعزز الصمود في الأرض:
بما أنّ الاستيطان يهدف لتفريغ الأرض، فإنّ الردّ يكمن في تثبيت السكان من خلال:
ـ توجيه ميزانيات السلطة والقطاع الخاص نحو الاستثمار في المناطق المهددة بالضمّ، وبناء بنية تحتية (طرق، آبار مياه، مدارس) حتى لو بدون تراخيص من سلطات الاحتلال.
ـ تنظيم حملات شعبية ووطنية دائمة لمساندة المزارعين في قطف الزيتون والزراعة، وتوفير حراسة شعبية لردع هجمات “ميليشيات المستوطنين”.
التعويض المباشر: إنشاء صندوق وطني لتعويض أي مزارع أو مواطن يتعرّض منزله للهدم أو محصوله للحرق فوراً، لضمان عدم رحيله.
3 ـ التحرك على الصعيد الدولي:
بعد قرار محكمة العدل الدولية (2024) الذي أكد عدم شرعية الاحتلال، المطلوب العمل على:
تجميد عضوية “إسرائيل”: التحرك في الجمعية العامة للأمم المتحدة لتجميد عضوية “إسرائيل” في المنظمات الدولية بسبب انتهاكها الصارخ للمواثيق.
ملاحقة قادة المستوطنين: تقديم ملفات جنائية للجنائية الدولية ضد قادة المستوطنين والوزراء الذين يدعمونهم (مثل سموتريتش وبن غفير) بصفتهم مجرمي حرب.
سلاح المقاطعة: تعزيز حملات المقاطعة الدولية (BDS) ليس فقط لمنتجات المستوطنات، بل للشركات العالمية التي تساهم في بناء الجدار أو تزويد المستوطنين بالتقنيات الأمنية.
4 ـ تنظيم مقاومة شعبية شاملة:
تحويل المقاومة الشعبية من فعاليات موسمية إلى نهج حياة يومي عبر:
ـ تفعيل “لجان الحراسة” في القرى المتاخمة للمستوطنات لحماية المنازل من الحرق ليلاً.
ـ خلق حالة من “العصيان المدني” في المناطق التي يحاول الاحتلال فرض قوانينه الإدارية والضريبية الجديدة عليها (مثل القدس والخليل).
5 ـ فك الارتباط الاقتصادي بالاقتصاد الإسرائيلي:
بدء خطوات فعلية لتقليل الاعتماد على الاقتصاد الإسرائيلي، بما في ذلك:
ـ البحث عن بدائل لـ “أموال المقاصة” التي يستخدمها الاحتلال كأداة ابتزاز سياسي.
ـ تشجيع الاعتماد على المنتج الوطني الفلسطيني والعربي كبديل كامل للمنتجات الإسرائيلية.
خلاصة القول: انّ ما هو مطلوب، الانتقال من “ردّ الفعل” إلى “المبادرة”، عبر تحويل تكلفة الاحتلال والاستيطان إلى عبء سياسي واقتصادي وأمني لا تستطيع “إسرائيل” تحمّله أمام العالم.
