خاص مركز بيروت للأخبار
في ظل تصاعد الضغوط السياسية والأمنية على لبنان، يطلق المدير العام السابق للأمن العام اللواء عباس إبراهيم موقفًا لافتاً يؤكد فيه أن لبنان ليس ضعيفاً في مواجهة العدو الإسرائيلي، بل يمتلك أوراق قوة حقيقية ضاعت بين الانقسام الطائفي وضعف الدولة. ومن منبر الحوار، يضع اللواء إبراهيم تشخيصاً حاداً للأزمة اللبنانية، محذراً من أن البلاد دخلت مرحلة التحدي الوجودي، حيث لم تعد المشكلة في التنوع، بل في غياب الدولة والمواطنة، داعياً إلى الانتقال من منطق العيش المشترك إلى بناء دولة مدنية قادرة وعادلة.
أكد المدير العام السابق للأمن العام اللواء عباس إبراهيم أن لبنان لا يدخل المفاوضات مع العدو الإسرائيلي من موقع ضعف، بل يمتلك العديد من أوراق القوة السياسية والاستراتيجية التي تمكّنه من الدفاع عن حقوقه، إذا ما أحسن استخدامها ضمن رؤية وطنية جامعة.
وخلال ورشة حوارية نظمها منتدى التنمية والحوار والثقافة بالتعاون مع مجموعة حل النزاعات في مركز لقاء، شدّد اللواء إبراهيم على أن لبنان يمرّ اليوم بمرحلة ضغوط غير مسبوقة، معتبراً أن العوامل الخارجية تبقى العامل الحاسم في التأثير على الواقع الداخلي اللبناني، في ظل ضعف الدولة وتراجع دورها.
وأشار إلى أن التغيير الحقيقي لا يبدأ من فوق بل من القاعدة، مؤكداً أن الدولة هي الجهة المسؤولة عن حماية الوطن والدفاع عنه على المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية والثقافية، إلا أن المفارقة في لبنان تكمن في أن الدولة تحوّلت إلى الحلقة الأضعف بين مكوّناتها، فيما تصدّرت الطوائف وزعاماتها المشهد السياسي.
وشدّد اللواء إبراهيم على أن مدخل الحل يبدأ ببناء المواطن، من خلال تربيته على الولاء للوطن والمواطنة، لا على الانتماءات الضيقة، معتبراً أن فكرة العيش المشترك بصيغتها الحالية ليست حلاً بل حالة مرضية تُستخدم لإدارة الأزمات بدل معالجتها جذرياً، وأن الحوارات الشكلية والمعلّبة لم تعد مجدية.
وفي هذا السياق، اعتبر أن لبنان يمرّ بمرحلة مفصلية تحوّل فيها التحدي من سياسي أو ظرفي إلى تحدٍ وجودي، يهدد وحدة المجتمع اللبناني وسلمه الأهلي وقدرته على الاستمرار كدولة وكيان.
ورأى أن ما يواجهه لبنان اليوم ليس جديداً في جوهره، إذ إن المسار التاريخي للصراع شبه ثابت، فيما تتبدل الأطراف واللاعبون وفق مصالحهم، ويبقى لبنان نفسه ساحة الصراع وموضوعه.
وأكد أن المشكلة لا تكمن في التنوع الديني أو المذهبي أو الثقافي، إذ إن معظم دول العالم تقوم على التنوع، بل في كيفية إدارة هذا التنوع، بحيث تكون المواطنة هي السقف الجامع، ويتحوّل الاختلاف إلى عنصر غنى لا سبباً للتفكك والانقسام.
واعتبر اللواء إبراهيم أن لبنان، إذا ما أُحسن التعامل مع تركيبته، قادر على تقديم نموذج إنساني وحضاري فريد، إلا أن هذا التميّز يبقى مهدداً في ظل تجاهل الذاكرة التاريخية، ولا سيما محطات الاقتتال الطائفي في القرن التاسع عشر، حيث لعبت التدخلات الخارجية الدور الحاسم في تأجيج الصراعات، وهو ما يجعل تكرار الأخطاء احتمالاً دائماً.
وفي قراءته للحروب اللبنانية الحديثة، شدّد على أنها “لم تكن حروباً أهلية تقليدية”، ولا مجرد انعكاس لصراعات إقليمية، بل كانت نزاعات مركبة تداخلت فيها الطوائف والأيديولوجيات والمصالح والقوى الخارجية، ما حوّل لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية.
ورأى أن قانون الانتخاب الحالي يشكّل أحد أبرز أدوات الانقسام، إذ يعزز “الانغلاق الطائفي” ويفرز ممثلين عن الطوائف لا عن المجتمع، داعياً إلى إعادة النظر فيه باتجاه قانون يقوم على البرامج الوطنية والمنافسة السياسية السليمة.
كما حذّر من تحويل الطائفة إلى هوية سياسية ومشروع حماية، معتبراً أن خروج الطائفة من الإطار الوطني الجامع هو بداية سقوطها، وأن الخصوصية عندما تُستخدم كذريعة للخوف أو للاستقواء تتحول إلى عامل تفكيك للدولة والمجتمع معاً.
وفي ما يتعلق بدور الإعلام، شدّد اللواء عباس إبراهيم على ضرورة تحصينه مهنياً وأخلاقياً، ليكون أداة وعي وبناء وحماية للسلم الأهلي، لا وسيلة تحريض وتخوين أو تزييف للوقائع.
وختم بالدعوة إلى الانتقال من منطق العيش المشترك إلى منطق الدولة المدنية القائمة على المواطنة المتساوية، معتبراً أن الإصرار على الديمقراطية التوافقية بصيغتها الحالية أنتج دولة تعطيل لا دولة مؤسسات، وأن تحصين الداخل اللبناني يبدأ من الإنسان، ويمرّ بالدولة، ولا يكتمل إلا بوحدة المصير تحت سقف الوطن.
============================ انتهى ==================================
شاركنا رأيك:
