كتب: محمد اسماعيل.

في لبنان، لا يموت الناس فقط… بل يُتركون للموت.
في طرابلس، تسقط الأبنية على رؤوس ساكنيها، لا بفعل زلزال ولا كارثة طبيعية، بل بفعل الإهمال المتراكم، والفساد المزمن، وغياب أي رقابة أو إحساس بالمسؤولية. أبنية متصدّعة، إنذارات متكرّرة، صرخات أهالٍ، وتحذيرات لم تجد أذنًا تسمع ولا دولةً تتحرّك.
وفي الجنوب والبقاع، لا تسقط الحجارة… بل تنهمر النيران. القصف هناك لا يميّز بين بيت وآخر، ولا بين طفل وشيخ، فيما الناس عالقون بين نارين: نار العدوان ونار التخلّي الرسمي.
ما أشبه هذا بذاك.
هنا موت تحت الركام، وهناك موت تحت القصف.
هنا إهمال يقتل، وهناك حرب تقتل.
والنتيجة واحدة: المواطن اللبناني يُدفع الثمن كاملًا، وحده، أعزل، متروكًا لمصيره.
الدولة؟ في غياب وثبات عميق.
ليست غائبة لأنها عاجزة، بل لأنها تخلّت. تخلّت عن دورها، عن مسؤولياتها، عن أبسط واجباتها: حماية الناس. في طرابلس، لا أحد يسأل لماذا بقيت هذه الأبنية قائمة رغم خطرها الواضح. وفي الجنوب والبقاع، لا أحد يقدّم خطة طوارئ حقيقية للناس الذين يعيشون تحت التهديد اليومي.
السلطة مشغولة بشيء آخر.
بالخلافات، بالمحاصصات، بالتوازنات، بالحسابات السياسية الضيّقة.
أما الإنسان… فليس أولوية.
أي دولة هذه التي لا تستطيع أن تمنع سقفًا من الانهيار فوق عائلة؟
وأي دولة هذه التي تترك قرى كاملة تعيش على وقع القذائف من دون أي استعداد أو حماية؟
في الحالتين، الرسالة واحدة وقاسية:
حياتكم ليست ضمن الحسابات.
لبنان اليوم ليس فقط بلد الأزمات الاقتصادية والسياسية، بل بلد الأرواح المهدورة. بلد يموت فيه الناس لأسباب كان يمكن تفاديها. بلد يتحوّل فيه الموت إلى خبر عابر، وصورة على وسائل التواصل، وبيان تعزية بارد.
طرابلس ليست حادثًا منفصلًا.
والجنوب والبقاع ليسا حدثًا طارئًا.
هما وجهان لواقع واحد: دولة لا تقوم بدورها، وسلطة لا ترى في المواطن سوى رقم.
حين يسقط المبنى في الشمال، ويُقصف البيت في الجنوب، ويصمت المسؤول في بيروت، نفهم أن المشكلة ليست في الحجر ولا في القذيفة… بل في غياب القرار، وغياب الدولة، وغياب الضمير.
هذا ليس قدرًا.
هذا نتاج إهمال، ونتيجة سياسات، وحصيلة سنوات من ترك البلد يتآكل حتى صار المواطن يعيش بين احتمالين: أن ينهار السقف فوقه، أو أن تسقط القذيفة قربه.
وفي الحالتين، لا أحد يُحاسَب.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com