محمد إسماعيل

زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الجنوب ليست تفصيلًا بروتوكوليًا عابرًا. هي زيارة إلى أرض دفعت أثمانًا لا تُعدّ، وإلى ناسٍ تعبوا من الغياب المزمن للدولة، لكنهم لم يفقدوا إيمانهم بها.
الجنوبيون لا يستقبلونك اليوم بالخطابات، بل بالانتظار. انتظار الدولة التي طال غيابها عنهم. انتظار حضور فعلي، لا رمزي. انتظار أن يشعروا أن هناك من يسأل عنهم بصفته دولة، لا بصفته متضامنًا أو زائرًا.
الجنوب متعطّش للدولة.
متشوّق لوجودها.
متمسّك بها.
لكن الجنوب، في الوقت نفسه، واضح وصريح: يريد دولته، ويريد أيضًا مقاومته التي يعتبرها درعًا حماه عندما غابت الدولة عنه. هذه ليست معادلة متناقضة في وعي الناس هناك، بل واقع عاشوه طويلًا، وفرضته عليهم التجارب القاسية.
يا دولة الرئيس،
هل عاينت عيتا الشعب؟
هل مررت في طيرحرفا؟
هل دخلت صربين؟
هل رأيت حجم الدمار الهائل في البيوت، في الأراضي، في الطرقات، في تفاصيل الحياة اليومية؟
هناك قرى لم يُهدَم فيها الحجر فقط، بل تكسّرت فيها أعصاب الناس، وتعبت فيها الأرواح من كثرة ما صبرت.
زيارتك تحمل دلالات إيجابية، نعم.
لكن الجنوب لا يريد دلالات.
يريد أفعالًا.
لا يريد كلمات دعم.
يريد إعادة إعمار.
لا يريد وعودًا جديدة.
يريد تنفيذ الوعود التي سمعها مرارًا.
الجنوبيون اليوم لا يسألون عن السياسة، بل عن بيوتهم. عن أرضهم. عن مدارس أولادهم. عن طرقاتهم. عن أمانهم. عن شعورهم بأن الدولة تحميهم فعلًا، كما وعدتهم، لا كما اعتادوا أن يسمعوا.
يا دولة الرئيس،
الأوطان لا تُبنى بالشعارات.
ولا تُرمَّم بالتصريحات.
بل تُبنى حين يشعر المواطن أن الدولة تقف خلفه، لا يضطر أن يبحث عن سند خارجها.
الجنوب اليوم يقول لك بوضوح:
نحن نريد دولتنا.
نريد حضورها.
نريد حمايتها.
ونريد إعمار ما تهدّم.
هذه الزيارة فرصة.
فرصة لتبدأ الدولة استعادة ثقة الناس بها من المكان الذي خسر أكثر من غيره، وصبر أكثر من غيره، وانتظر أكثر من غيره.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com