باسم الموسوي
ليس من قبيل المصادفة أن تترافق الهيمنة الغربية الحديثة مع ادّعاءٍ معرفيٍّ حاسم: أن ما تنتجه من علوم إنسانية هو معرفة كونية، محايدة، خالية من العقائد، ومتحرّرة من كل لاهوت. فبهذا الادّعاء بالذات اكتسبت هذه العلوم سلطة تتجاوز كونها أدوات وصف وتحليل، لتغدو مرجعاً أخلاقياً ومعيارياً يحدّد ما هو عقلاني، وما هو متخلّف، وما ينبغي أن يكون عليه الإنسان والمجتمع والدولة. غير أن هذا الادّعاء لم يمرّ بلا مساءلة. فقد ظهر، منذ منتصف القرن العشرين، تيار فلسفي عريض يرى أن العلوم الإنسانية الغربية لا تمثّل قطيعة حقيقية مع اللاهوت، بل هي في كثير من بنياتها لاهوتات مُعلمنة، أي أنماط إيمان دنيوية متنكرة في لباس العقل والعلم.
انبثقت هذه الفكرة أولاً داخل الفكر الأوروبي ذاته، في لحظة مراجعة ذاتية عنيفة للحداثة بعد حربين عالميتين. كان كارل لوفِت من أوائل من كشفوا أن فلسفات التاريخ الحديثة، من هيغل إلى ماركس، لم تتخلّ فعلياً عن البنية المسيحية للتاريخ. ففكرة التقدّم، كما يبيّن، ليست سوى إعادة صياغة زمنية لفكرة الخلاص، وأن غائية التاريخ العلمانية ليست إلا وجهاً آخر لفكرة العناية الإلهية، بعد نزع اسم الله عنها. التاريخ لم يعد ينتظر يوم الدينونة، بل نهايةً عقلانية تتحقق داخل الزمن، ومع ذلك ظلّ منطق الخلاص قائماً.
ذهب كارل شميت أبعد من ذلك حين صاغ عبارته الشهيرة: «كل المفاهيم الأساسية في نظرية الدولة الحديثة هي مفاهيم لاهوتية مُعلمنة». لم يكن شميت معنياً بالدفاع عن اللاهوت، بل بكشف ما اعتبره خداعاً مفاهيمياً: فالسيادة الحديثة، كما تُدرَّس في العلوم السياسية، تؤدي وظيفة الإله في اللاهوت؛ تقرّر في الاستثناء، وتعلّق القانون، وتمنح الشرعية، لكنها تفعل ذلك باسم العقل والدستور لا باسم السماء. هكذا تصبح الدولة الحديثة كياناً ذا قداسة منزوعة الاسم، لا منزوعة الوظيفة.
حتى الفلاسفة الذين حاولوا الدفاع عن “شرعية العصر الحديث”، مثل هانس بلومنبرغ، اضطروا للاعتراف بأن الحداثة لم تولد من فراغ، بل عبر إعادة توظيف كثيف للمخيال اللاهوتي. صحيح أن بلومنبرغ رفض اختزال الحداثة في مجرد علمنة للاهوت، لكنه أقرّ بأن كثيراً من مفاهيمها استبقت البنية الرمزية نفسها، مع تغيير المرجعية.
في هذا السياق، انتقلت المساءلة من فلسفة التاريخ والسياسة إلى نقد العقل ذاته. رأت مدرسة فرانكفورت أن العلوم الإنسانية لا تكتفي بوصف المجتمع، بل تشرعن نمطاً معيناً من السيطرة. عند ماكس هوركهايمر و**تيودور أدورنو**، تحوّل العقل إلى عقل أداتي، وظيفته ضبط العالم لا فهمه. ومع هذا التحوّل، بات العلم يؤدي وظيفة شبيهة باللاهوت: يحدّد القيم، يعرّف الخير العام، ويطالب بالخضوع باسم الضرورة والعقلانية. أما هربرت ماركوزه، ففضح الدور الإيديولوجي لعلم الاجتماع والاقتصاد، معتبراً أنهما ينتجان “إنساناً ذا بعد واحد”، كما كانت اللاهوتيات القديمة تنتج مؤمناً صالحاً للنظام القائم.
ومع ميشيل فوكو بلغ هذا النقد مستوى أكثر جذرية. ففوكو لم يسأل عمّا إذا كانت العلوم الإنسانية صحيحة أو خاطئة، بل عمّا تفعله. لقد بيّن أن علم النفس، والطب، والجنسانية، وعلم الجريمة، تشكّل أنظمة حقيقة تضبط الأجساد والعقول، وتنتج تعريفات للسواء والانحراف، وللصحة والمرض، وللإنسان “الطبيعي”. هذه العلوم لا تعد بالخلاص الأخروي، لكنها تعد بخلاص دنيوي: الشفاء، التكيّف، الاندماج، الإنتاجية. وهنا تكمن بنيتها اللاهوتية الجديدة: خلاص بلا سماء، وخطيئة بلا شيطان، وعقاب بلا جحيم.
غير أن الطابع اللاهوتي المُعلمن للعلوم الإنسانية ظهر بأوضح صوره حين خرج النقد من المركز الأوروبي إلى الأطراف المستعمَرة سابقاً. رأى مفكرو ما بعد الاستعمار أن هذه العلوم لا تفرض أدوات تحليل فحسب، بل تفرض سردية تاريخية كاملة. عند أشيس ناندي، تتحوّل العقلانية الغربية إلى دين أخلاقي عالمي يطالب الجميع باعتناقه. أما بارثا تشاترجي، فيكشف كيف تُفرض مفاهيم الدولة والمجتمع المدني والديمقراطية بوصفها مراحل خلاص تاريخي لا بديل عنها. وبلور أنيبال كيخانو هذا النقد في مفهوم “استعمار المعرفة”، حيث تحلّ العلوم الإنسانية محلّ اللاهوت في تنظيم العالم، لكن هذه المرة باسم الكونية العلمية.
في السياق الإسلامي، قدّم وائل حلاق تفكيكاً بالغ الأهمية لهذا الادّعاء. فالدولة الحديثة، كما يبيّن، ليست جهازاً إدارياً محايداً، بل منظومة أخلاقية شمولية تدّعي حق التشريع المطلق، وتحتكر تعريف الخير العام، وتعيد تشكيل الإنسان وفق معاييرها. والعلوم الإنسانية التي تبرّر هذه الدولة ليست أقلّ لاهوتية من الفقه أو الكلام، لكنها أخطر، لأنها تنكر كونها كذلك.
ما يجمع بين هذه القراءات المتباينة ليس رفض العلم، بل رفض أسطورته. فالنقد لا يستهدف المعرفة بوصفها معرفة، بل يدحض ادّعاء البراءة. العلوم الإنسانية الغربية، في كثير من صيغها، ليست وصفاً محايداً للعالم، بل رؤية كونية، تحمل تصوّراً للإنسان، والتاريخ، والعقل، والسلطة، وتطالب بالالتزام به كما كانت اللاهوتيات تطالب بالإيمان.
من هنا، لا يعود السؤال: هل هذه العلوم صحيحة أم خاطئة؟ بل: أي عالم تُريد أن تُنتج؟ وأي إنسان تُشكّل؟ وأي سلطة تُشرعن؟ حين يُطرح هذا السؤال، تسقط الأسطورة، ويظهر العلم لا كقدر كوني، بل كخيار حضاري بين خيارات متعددة.
وهكذا، فإن وصف العلوم الإنسانية الغربية بأنها “لاهوتات مُعلمنة” لا ينطوي على شتيمة فكرية، بل على دعوة إلى التواضع المعرفي، وإلى الاعتراف بأن كل معرفة تحمل افتراضاتها، وكل عقلانية تنطوي على إيمان ما. وحده هذا الاعتراف يفتح أفق حوار حقيقي بين الثقافات، لا حوار تبشير جديد باسم العلم.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com