الأربعاء,2026/02/04 12:49 صباحًا
حسن حردان
تحلّ ذكرى انتصار الثورة الإسلامية في إيران وتطرح معها الأسئلة…
ما الذي أحدثه انتصار الثورة عام 1979 على نظام الشاه، من تحوّلات في موازين القوى، ومن تداعيات في المنطقة والعالم، وكيف أثر انتصار الثورة في معادلة الصراع مع دول الغرب وكيان الاحتلال الإسرائيلي؟
ولماذا ترمي الولايات المتحدة و”إسرائيل” بثقلهما الآن لأجل محاولة تغيير نظام الحكم في إيران، إنْ كان عبر استخدام القوة العسكرية، والحصار، او عبر إخضاع إيران للإملاءات والشروط الأميركية الاسرائيلية.. وما هي دلالات عودة تقدم خيار التفاوض، وتراجع خيار شنّ الحرب؟
أحدث انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 زلزالاً جيوسياسياً لم تقتصر ارتداداته على الداخل الإيراني فحسب، بل أعادت رسم خارطة التحالفات والصراعات في المنطقة والعالم.
أولاً: زلزال الثورة والتحوّل في موازين القوى،
لم يكن سقوط نظام الشاه مجرد تغيير للحاكم، بل كان خروجاً كاملاً لإيران من العباءة الغربية.. فقد أدّى عملياً إلى النتائج التالية:
النتيجة الأولى: خسارة استراتيجية للغرب، فقدت الولايات المتحدة “الركيزة الأساسية” في الخليج، حيث كان الشاه يمثل الشرطي الذي يحمي المصالح النفطية والأمنية الأميركية.
النتيجة الثانية: تغيير هوية الدولة، تحوّلت إيران من حليف استراتيجي للغرب وكيان الاحتلال الإسرائيلي إلى دولة متحرّرة من التبعية والسياسات الغربية، تتبنّى “استقلالية قرارها”.
النتيجة الثالثة: ألهمت الثورة حركات التحرر والمقاومة في المنطقة، مما أدى إلى نشوء “محور المقاومة” الذي يمتدّ من طهران إلى بغداد وبيروت وصنعاء وفلسطين المحتلة.
ثانياً: تأثير الانتصار في معادلة الصراع مع الاحتلال الصهيوني،
شكل انتصار الثورة ضربة قاصمة للمخططات الإسرائيلية في المنطقة، ويمكن تلخيص الأثر في النقاط التالية:
*من التحالف إلى العداء الوجودي: تحوّلت السفارة الإسرائيلية في طهران إلى سفارة لفلسطين، وانتقلت إيران من الاعتراف الفعلي بكيان الاحتلال إلى التبنّي الكامل للقضية الفلسطينية.
*كسر “الأمن الإقليمي لإسرائيل”: قبل عام 1979، كانت “إسرائيل” تعتمد على “نظرية المحيط” (بناء تحالفات مع الدول غير العربية مثل إيران وتركيا وإثيوبيا لتطويق العرب). بانهيار هذا التحالف، وجدت “إسرائيل” نفسها في مواجهة قوة إقليمية صاعدة تدعم حركات المقاومة المسلحة مباشرة.
*دعم قوى المقاومة: وفرت إيران العمق الاستراتيجي، التدريب، والتمويل لفصائل المقاومة، مما نقل الصراع من الحدود التقليدية إلى استنزاف للكيان الصهيوني، وتوازن رعب صاروخي.
ثالثاً، أسباب إصرار الغرب على تغيير النظام او إخضاعه لسياساته.
تدرك واشنطن وتل أبيب أنّ “قوة إيران” ليست فقط في ترسانتها العسكرية، بل في منظومة استقلالها التي تمنع الهيمنة الكاملة على موارد الطاقة وطرق التجارة العالمية. الأسباب الحقيقية للضغط الحالي تشمل:
*السعي لتحجيم نفوذ إيران في العراق واليمن ولبنان وفلسطين، وصولاً الى القضاء على قوى المقاومة وإعادة صياغة خرائط المنطقة بما يحقق الأهداف الأميركية، الإسرائيلية في فرض الهيمنة الكاملة عليها.
*يهدف الحصار إلى حرمان إيران من امتلاك تكنولوجيا متقدمة (نووية وصاروخية ومسيرة) تكسر التفوق العسكري الإسرائيلي النوعي.
*تخشى الولايات المتحدة من التحالف “الأوراسي” بين إيران وروسيا والصين، والذي يهدّد الأحادية القطبية الأميركية.
رابعاً: دلالات تراجع خيار الحرب وتقدّم خيار المفاوضات،
رغم لغة التهديد، يلاحظ تراجعاً عن خيار الحرب الشاملة لصالح العودة لطاولة المفاوضات، وذلك للأسباب التالية:
ـ توازن الردع: أدركت القوى الكبرى أنّ الحرب مع إيران لن تكون “نزهة”، بل ستؤدي إلى إشعال المنطقة بالكامل وتوقف إمدادات الطاقة العالمية، مما يلحق أضراراً بالغة بالاقتصاد الدولي.
ـ فشل سياسة “الضغوط القصوى”: أثبتت السنوات الماضية أنّ الحصار لم يؤدِّ إلى انهيار النظام أو تغيير سلوكه الجوهري، بل دفع إيران لزيادة تخصيب اليورانيوم وتقوية تحالفاتها الشرقية.
ـ التكلفة السياسية: الولايات المتحدة، خاصة في ظلّ انشغالها بالحرب الأوكرانية والتوتر مع الصين حول تايوان، ليست مستعدة لفتح جبهة استنزاف ثالثة في الشرق الأوسط.
انطلاقاً مما تقدّم فإنّ التفاوض حالياً ليس بالضرورة رغبة في “السلام”، بل هو محاولة لاحتواء نفوذ إيران بأقلّ التكاليف الممكنة بعد فشل أدوات القوة الصلبة في تحقيق أهدافها النهائية.. لكن هل ستنجح واشنطن في ذلك، أم ستكون أمام استحالة تخلي إيران عن حقوقها واستقلالها؟
هذا ما ستكشفه نتائج ما ستتوصّل إليه المفاوضات…
