إيران اليوم “في اللجة” ، وتبحث عن خلاص مما يجبهُها من تحدّياتٍ، والناس تطرح خيارات للخروج من المأزق، ولا يرى كثيرون من المراقبين أن التعاطي السلمي والانصياع لمطالب الحوار مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يمكن أن يفضي إلى نتائج إيجابية للجمهورية الإسلامية. فدونالد ترامب يجمع الكثير من الخصائص التي تفقده ميزة كونه رئيساً رصيناً. حيناً تراه على شيء من الجنون، وحيناً تراه شديد الجشع، وطوراً تجده طفلاً يلعب بمصائر الاقتصادات والشعوب، من دون حسبانٍ لمن يقتل أو لما يُسفك من دماء. البلاد والعباد – وفق منطقه وقراراته – كألعاب الأطفال. والمثير أن البعض يستمر في التعويل على مسار سلمي إيجابي اتقاءً لسياسة ترامب وإمبراطوريته الأمريكية، كمثل الذين يؤمنون بمسار الرئيس الإيراني الأسبق، والسياسي الإصلاحي، السيد محمد خاتمي، الذي روّج مديداً لمبادرته “حوار الحضارات”، وطاف من أجلها مدناً في الشرق ثم الغرب. صحيح أن تلك المبادرة شكّلت علامة فارقة في تاريخ الرجل المثقف لكنها لم تؤدِ إلى شيء يُذكر. نالت المبادرة ثناءً في كثيرٍ من الأوساط الثقافية في المنطقة العربية والآسيوية كما في الغرب، واعتدّ بها كثيرون في مواجهة “صراع الحضارات”، وأمل كثيرون في أن تكون سبيلاً لتطرية العلاقات البينية ما بين إيران والغرب، وأمريكا خصوصاً، من أجل انصراف دول المنطقة إلى التنمية الاقتصادية والعلمية.
بمرور الوقت، تبيّن لكلّ ذي لبّ أن “حوار الحضارات”، كثيرٌ وهمه، قليلٌ واقعه، وأن الثقافة ليست كلّ السياسة، وإن شكّلت مرجعية وإطاراً حاضناً في وقت من الأوقات. وفي عهد الإصلاحيين، برئاسة السيد خاتمي والشيخ حسن روحاني، كان الدليل على المُدّعى أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تحصّل من مبادرات “النعامة” أي منفعة استثنائية.
إذن، كان إصلاحيو إيران ذوي الثقافة الممتدّة جذورها في التاريخ بحاجة إلى زمنٍ حتى يبلغوا حكمة العربي الجاهلي زهير بن أبي سُلمى القائل:
وَمَن لا يَذُد عَن حَوضِهِ بِسِلاحِهِ
يُهَدَّم وَمَن لا يَظلِمِ الناسَ يُظلَمِ
وَمَن هابَ أَسبابَ المَنِيَّةِ يَلقَها
وَلَو رامَ أَسبابَ السَماءِ بِسُلَّمِ

وبغض النظر عن كون “حوار الحضارات” جاءت في لحظة تاريخية تلت انهيارَ المعسكر الشرقي، وشعور الرأسمالية الغربية بنهاية التاريخ، وفي سياق السّجالِ مع الكاتب الأمريكي صمويل هنتنغتون، فإنها شكّلت رهاناً رئاسياً “إصلاحياً” في السياسة، ولم تقتصر على بعدها الثقافي، بل اعتُمدت خطاباً مباشراً إلى الإدارة والداخل الأمريكي. يحضرني – في المقام – تقاطع الطرح الخاتمي مع مقولة الدكتور رضوان السيد، التي يردّدها في لبنان والمنطقة العربية، حول ضرورة فهم العرب والمسلمين للعالم بشكل مبتكر، وضرورة تغيير نظرتهم التقليدية إلى الغرب، تمهيداً لدخولهم في العصر. يشدّد السيّد أن خلاصنا في تعزيز الصلات مع الغرب تحديداً، ويزعم قادحاً بأن الطرح الإسلامي السائد يقوم على تصنيف العالم فسطاطين: فسطاط الإيمان يُقابله فسطاط الكفر؛ وهو ما لا يستقيم بحال.
في فضاء التعارف والحوار الحضاري ومعرفة العالم، أتذكّر أن السيد خاتمي، بصفته رئيس إحدى “الدول المارقة”، أطلّ يومها عبر قناة “سي أن أن”، التي تعدّ من رموز السياسة الأمريكية ووسائل دعايتها، بروحية المثقّف المحايد، وأطلق رسالة إيجابية باتجاه الإمبراطورية الأمريكية، وادّعى وجود نقاط تلاقٍ بين الثورة الإسلامية و”الحضارة الأميركية”، هي التديّن والحرية والعدالة. الملاحظ أنه تناسى في الجو الحواري الغزاة الأميركيين الذين أبادوا شعوباً، ونهبوا ثروات، وغيّروا مساراً حضارياً قائماً بالعنف!
اليوم، بمفعول رجعي، نجد أن مبادرة السيد محمد خاتمي لم تكن إلا أمانيَ ورغباتٍ، ولحظات من تجلِّي المثقفين، فيما افتقدت إلى أيّ مقدار من الواقعية أو القابلية للتحقّق. ولعلّ الصيغة التفاؤلية، التي استهلّ بها مقابلته الشهيرة مع الصحافية كريستيان أمانبور (أمريكية من أصل إيراني)، تُظهر مستوى التبسيط الذي اتّصف به إدراكه للعلاقة المعقدة مع أعتى إمبراطورية في العصر الحديث، الولايات المتحدة الأمريكية. يقول – وهو العالم – ببراءة “نحن على أعتاب نهاية القرن العشرين، تاركين وراءنا قرناً مليئاً بعدم المساواة والعنف والصراع. ندعو المولى عزّ وجل أن يمكّننا من بدء قرن جديد من الإنسانية والتفاهم والسلام الدائم، حتى تتمتع البشرية جمعاء ببركات الحياة. مرّة أخرى أودّ أن أقدم تهانيّ لجميع أتباع السيد المسيح، لجميع البشر، خاصة الشعب الأمريكي” .
لكنه لم يستطع التغاضي عن ميزات القرن العشرين بأنها “عدم المساواة والعنف والصراع”، وإن أغفل ذكر المسبّبين والفاعلين السلبيين (الغرب وأمريكا وحروبهم)، ثم يتمنّى – خلافاً للسنّة الكونية – قرناً من “الإنسانية والتفاهم والسلام الدائم”، متغافلاً – وهو الرجل الديني – عن الطبيعة البشرية وسنة الله في الكون، التي تقرّر أنه “وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا” (الحج:40)؛ فالصراع سنة اجتماعية سارية في البشر والزمن، والشرّ موجود حتى يوم القيامة، ولن ينتهي إلا بغروب هذا الوجود البشري.

ثم ينتقل السيد خاتمي ليدلّل على التشابه بين الثورة الإسلامية و”الحضارة الأمريكية، فيصوّب على “الجوهر”، ووصول البيوريتانيين إلى بليموث، واستذكار “عيد الشكر”، ويتابع: “نشعر بأن ما نسعى إليه هو ما كان يسعى إليه أيضاً مؤسّسو الحضارة الأمريكية قبل أربعة قرون. لهذا السبب نشعر بتقارب فكري مع جوهر الحضارة الأمريكية”.
يختصر السيد خاتمي الحضارة الأمريكية بـ “رؤية وتفكير وأساليب البيوريتانيين”، بالرغم من أنه من المؤكّد لديه “أن آخرين مثل المغامرين والباحثين عن الذهب وحتى قراصنة البحر وصلوا أيضاً إلى الولايات المتحدة”.
وفي ما يبدو أنه خوف من افتقاده مشروعية الثورة الإسلامية بتمجيده “الحضارة الأمريكية”، يذهب إلى التذكير بنضالات الشعب الإيراني في مواجهة الاستعمار الأمريكي، فيقول قاطعاً “يجب أن أشير إلى نضالات الشعب الإيراني على مدى القرنين الماضيين، والتي بلغت ذروتها في السعي وراء الاستقلال خلال الثورة الإسلامية التي أطلقها الإمام الخميني… تعرضت الأمة الإيرانية للإذلال وكان مصيرها يقرره الآخرون. تعلمون أن ميزة بارزة في نضال الإمام الخميني كانت قتاله ضد الامتيازات الأجنبية التي أُجبر الشاه على التصديق عليها، مما جعل المستشارين الأمريكيين محصنين من الملاحقة القضائية في إيران”.
عُدنا في هذه النقطة إلى شيء من شعار الإمام الخميني أن “أمريكا الشيطان الأكبر”. لكن التوظيف السياسي للطرح الفكري يغلب لدى السيد خاتمي، فيصرّ على مدح “الحضارة الأمريكية” متهماً “السياسات التي اتبعها السياسيون الأمريكيون خارج الولايات المتحدة على مدى نصف القرن الماضي منذ الحرب العالمية الثانية”، ويبرّر للحضارة سياسات أبنائها من السياسيين من أنها “لا تتوافق مع الحضارة الأمريكية التي تأسست على الديمقراطية والحرية والكرامة الإنسانية. كنا نتمنى بشدّة أن يكون أولئك الذين فرضوا هذه السياسة الخارجية ممثلين للحضارة الأمريكية البارزة؛ حضارة تحققت بتكلفة باهظة، وليس ممثلين لهؤلاء المغامرين الذين هزمهم الشعب الأمريكي نفسه”.
ويكحّل نقده أخيراً بذكر 3 انتكاسات للسياسة الإمبريالية الأمريكية، فيرى: “إحداها كانت الأضرار الجسيمة التي لحقت بالدول المحرومة والمضطهدة…(والثانية) حطّمت آمال شعوب العالم المستعمَر…(والثالثة) الأكثر أهمية هي أن ما تم تنفيذه تمّ باسم شعب عظيم نهض من أجل الحرية…!”.
لم تنفع سياسة الرئيس الحواري محمد خاتمي طوال سنوات في العلاقة مع الغرب والخارج، ولا يمكننا أن نتوقّع إلا أن السياسة الإيرانية ما كانت لتكون أشدّ فاعلية لو استمرّت بتقديم التنازلات؛ فالثورة الإسلامية في إيران انتدبت نفسها لمهمات جليلة – سواء أصابت في سياساتها أم أخطأت – ولن تغفر لها أمريكا بإمبرياليتها، ولا الكيان الصهيوني، ولا كثير من الدول العربية المنضوية تحت الراية الغربية. ولقد قدّمت إيران من ثرواتها للشعوب المستضعفة الكثير، وتحمّلت أوزار تاريخ إسلامي مثقل، ورفعت شعاراً حضارياً عظيماً “لا شرقية لا غربية”، لكن التحديات كانت كبيرة.
هل يمكن أن نقارن إيران بغيرها من الدول؟
بالطبع لا، فزعماء الدول العربية والإسلامية في بيت الطاعة للدولة العظمى أمريكا، وقد وضعوا بتصرفها كل ما تحت أيديهم من ثروات حتى شعوبهم، وينالون لقاء ذلك زهرة الحياة الدنيا وكمالياتها، ولا يرغبون في رفع أي تحدٍّ بمواجهة الغرب وحضارته.
وإيران، وإن أخذ عليها كثيرون من المحبين لثورتها تلكّئها في استباق اللحظة الأمريكية، والصهيونية قبلها، تستمر أملاً للتوازن الإقليمي بل العالمي، في مقابل انمحاء التأثير العربي.
يبقى أن إيران وثورتها اليوم أمام تحدّ صعب، وتحمل على أكتافها ذلك الشعار الحسيني الخالد “ألا وإنّ الدعي بن الدعي قدْ ركز بين اثنتين، بين السلة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحُجور طابت وحجور طهرت، وأُنوف حمية، ونفوس أبية، من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإنّي زاحف بهذه الأسرة على قلّة العدد وخذلان الناصر”.

طارق قبلان
صحافي وباحث لبناني
31/01/2026

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com