بقلم : ماجدلينا شيلانو

لم يعد التصعيد القائم بين إيران من جهة، والولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة أخرى، مجرد تبادل رسائل ردعية أو حرب تصريحات محسوبة. ما يجري اليوم يندرج في إطار صراع بنيوي على شكل النظام الإقليمي، حيث تُدفع طهران إلى موقع المواجهة المباشرة دفاعًا عن موقعها ودورها، لا فقط عن حدودها الجغرافية.
اختبار الإرادة لا موازين القوة

رغم الاختلال الواضح في موازين القوى العسكرية التقليدية لصالح واشنطن وحلفائها، تتعامل إيران مع التهديدات المتصاعدة بوصفها اختبارًا للإرادة السياسية أكثر مما هي مواجهة تقنية. فالتجارب السابقة أثبتت أن منطق التفوق العسكري لم يعد كافيًا لفرض الوقائع، خصوصًا في منطقة باتت تعجّ بنماذج فشل الهيمنة المباشرة، من العراق إلى أفغانستان.

في هذا السياق، تحوّل خطاب “الرد القاسي” من أداة ردع لفظي إلى جزء من عقيدة دفاعية ترى في التراجع بداية الانهيار، وفي الصمود شرطًا للحفاظ على الدولة.
الحصار كأداة حرب شاملة
لا يقتصر الضغط على إيران على العقوبات الاقتصادية وحدها، بل يتجاوزها إلى ما تصفه طهران بـ”الحرب الهجينة”، حيث تتقاطع العمليات الأمنية، والاختراقات السيبرانية، والتحريض الإعلامي، ومحاولات تفجير الداخل الاجتماعي. الهدف، وفق القراءة الإيرانية، ليس تعديل سلوك النظام، بل إنهاكه ودفعه إلى خيارات قصوى أو فوضى داخلية.
من هنا، تفسّر إيران الحوادث والانفجارات الأخيرة ضمن هذا الإطار، وترى فيها رسائل ضغط متبادلة في حرب غير معلنة، تُدار تحت سقف الانفجار الكبير.

إيران ومعادلة الردع الإقليمي
تستند طهران في مقاربتها للمواجهة إلى بناء معادلة ردع متعددة المستويات، لا تقوم فقط على القوة الصاروخية، بل على شبكة تحالفات إقليمية، وانتشار نفوذ سياسي وأمني يجعل أي ضربة مباشرة مكلفة ومفتوحة النتائج.
وبينما تراهن واشنطن و”تل أبيب” على سياسة الحافة، تعوّل إيران على أن كلفة الحرب الشاملة ستتجاوز قدرة خصومها على التحمل، خصوصًا في ظل هشاشة الداخل الإسرائيلي، وتراجع القدرة الأميركية على خوض حروب طويلة الأمد في الشرق الأوسط.

السيادة كمعركة رمزية وسياسية
تقدّم إيران نفسها، في خطابها الداخلي والخارجي، كحالة مقاومة للهيمنة الأحادية، وتسعى إلى تحويل صراعها مع الغرب إلى قضية سيادية تتجاوز حدودها الوطنية. فالمواجهة، بحسب هذا المنظور، ليست حول برنامج نووي أو نفوذ إقليمي فحسب، بل حول حق الدول غير المنضوية في المنظومة الغربية في اختيار مساراتها السياسية والاقتصادية.
هذا الخطاب يمنح طهران قدرة على مخاطبة جمهور أوسع في الجنوب العالمي، حيث تُقرأ المواجهة بوصفها صراعًا بين منطق الإملاء ومنطق الاستقلال.

إلى أين تتجه المواجهة؟
حتى الآن، يبدو أن جميع الأطراف تحاول إبقاء الصراع دون عتبة الحرب الشاملة، مع رفع منسوب الضغط والرسائل النارية. غير أن هذا التوازن الهش يظل قابلًا للانفجار عند أي خطأ في الحسابات أو تصعيد غير مضبوط.
في المحصلة، لا تتعامل إيران مع الحصار والتهديدات بوصفها أزمة عابرة، بل كجزء من صراع طويل على موقعها ودورها في الإقليم. ومع تعقّد المشهد الدولي، تتحوّل السيادة من شعار سياسي إلى معركة مفتوحة، عنوانها الأساسي إما فرض الإرادة، أو كسرها.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com