كتب مبارك بيضون

عوامل عديدة ومتداخلة لا يمكن تجاهلها عند مقاربة التحوّل في المشهد السياسي الراهن، فالتغيير الملحوظ في لهجة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وانتقاله من خطاب هجومي تصعيدي إلى لغة أكثر ليونة تقوم على “الابتسامات الدبلوماسية” تجاه إيران، يعكس تحوّلًا محسوبًا في المقاربة الأميركية.

تصريحات ترامب التي شدّد فيها على أن إيران دولة مهمة في المنطقة ولا بد من التفاوض معها، وصولًا إلى إبداء إعجابه بالشعب الإيراني، تأتي بالتوازي مع استعراضات عسكرية متكررة في عرض البحر عبر البوارج والمدمّرات، ما يضع هذا السلوك في إطار بروباغندا سياسية–عسكرية مدروسة.

مصادر دبلوماسية وعسكرية وسياسية غربية متعدّدة تؤكد أن الإدارة الأميركية تتجه إلى التراجع عن خيار الضربة العسكرية، والانتقال تدريجيًا نحو المسار الدبلوماسي، باعتباره الخيار الأكثر انسجامًا مع رؤية ترامب القائمة على عناوين كبرى مثل “السلام”، و”الاستقرار”، و”المناطق الاقتصادية المزدهرة”.

ويأتي هذا التحوّل في لحظة إقليمية دقيقة، حيث تبرز الحاجة الملحّة إلى مكتسبات اقتصادية ومالية، لا سيما في منطقة ترتكز أساسًا على النفط والغاز كمحرّك رئيسي للاقتصاد العالمي. من هنا، يبدو أن الدوافع الاقتصادية تشكّل ركيزة أساسية في رسم خريطة سياسية جديدة وإعادة خلط الأوراق، ضمن توازن دقيق بين استعراض القوة من جهة، وتقديم السلام كخيار قابل للتفاوض من جهة أخرى.

ولا يمكن إغفال أنّ النفط الذي استحوذت عليه #الولايات_المتحدة من فنزويلا، لا يصلح لتكريره بكفاءة عالية إلا في الصين، فيما تعاني بقية الأسواق من تباطؤ واضح في المقاربة الاقتصادية المرتبطة به. وفي هذا السياق، تسعى واشنطن أيضًا إلى إعادة ترتيب علاقاتها الطاقوية لضمان تدفق الذهب الأسود إلى أراضي الولايات المتحدة الأميركية، بما في ذلك الدفع نحو تنازلات في علاقتها مع كندا، في إطار خطط استبدال النفط وإعادة توزيع مصادر الطاقة بين الحلفاء.

ويأتي ذلك ضمن مسعى لخلق منطقة طاقة جديدة تحت عناوين مستحدثة، تقوم على فرضية غياب العوائق الجيوسياسية، ولا سيما بعد استهداف إيران ومحاولة إزاحتها عن المشهد الجيو-اقتصادي. فهذه المؤشرات مجتمعة تعطي دلالات واضحة على وجود خطة متكاملة لإقصاء إيران ضمن ما يمكن تسميته بـ«حرب الممرات»، الهادفة إلى إعادة تشكيل اقتصاد عالمي جديد تتحكم الولايات المتحدة بمفاصله الأساسية.

غير أنّ السؤال الجوهري يبقى: هل تنجح الولايات المتحدة في فرض سيطرة جديدة ضمن هذا المشهد المتحوّل؟ أم أنّها ستصطدم بحدود قدرتها، في ظل غياب المعطيات والضمانات التي تؤكد إمكانية إخضاع إيران بشكل كامل؟ فالمسألة لا تتعلق بضربة عابرة، بل بمحاولة لإعادة إيران إلى عتبة جديدة تُفرض عليها من خلالها شروط وإملاءات طويلة الأمد، قد تؤدي إلى استنهاضها على المدى البعيد بدلا من إخضاعها.

إنّ الاستراتيجية التي تعتمدها الإدارة الأميركية في ممارسة الضغوط العسكرية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا تُعدّ سوى عامل واحد ضمن منظومة أوسع من السياسات التصعيدية التي تنتهجها واشنطن في تعاملها مع دول القارة الغنية بالغاز والنفط. ويأتي هذا النهج في إطار سعي الولايات المتحدة إلى فرض هيمنتها على مصادر الطاقة، وهو ما يتجلّى أيضًا في سياساتها تجاه دول مثل فنزويلا، حيث لم تكتفِ بالضغوط السياسية والاقتصادية، بل أصرت على استبدال نفطها بمصادر تخدم مصالحها الاستراتيجية.

إنّ مجمل هذه المعطيات توفّر مؤشرات بالغة الأهمية، تتيح قراءة المشهد بصورة شمولية ودقيقة، من دون إهمال أيّ من عناصره الجانبية التي تبقى، في جوهرها، متصلة بلبّ الموضوع. فالمسألة الأساسية تتمحور حول سعي الولايات المتحدة، بكل ما تملك من أدوات ضغط، إلى إيقاع إيران في مأزق استراتيجي شامل، يبدأ بمحاولة إسقاطها عسكريًا، مرورًا بمحاصرتها سياسيًا، وصولًا إلى خنقها اقتصاديًا.

ووفق هذا المنظور، لا تبدو إيران هدفًا بحدّ ذاته فحسب، بل تشكّل الحلقة الأولى في مسار أوسع يفتح الباب أمام مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع الصين، ومن خلفها روسيا. إذ تُعدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في الحسابات الجيوسياسية الأميركية، خط الدفاع الأول والسدّ المنيع المتقدم الذي يحول دون تطويق الصين واستفرادها ضمن النظام الدولي الجديد.

وفي هذا السياق، يلوح في الأفق مشهد إقليمي مختلف، قد تتراجع فيه لغة السلاح والحرب تدريجيًا، إذا ما توافرت ظروف جدية للتفاوض، في ظل إدراك جماعي بأن الفوضى باتت تنخر أسس النظام الدولي، وتضرب المعايير الدبلوماسية والأممية، وتُضعف مفهوم العدالة الدولية، وتفتح الباب أمام فلتان عالمي لا يخدم أحدًا.

 

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com