باسم الموسوي
لا يقدّم باتريك ج. دينين في كتابه Why Liberalism Failed سرديةً مألوفة عن إخفاقات عرضية في تطبيق الليبرالية، ولا ينخرط في مناكفةٍ حزبية بين يمينٍ ويسار. أطروحته أشدّ إزعاجًا: الليبرالية فشلت لأنها نجحت. نجحت إلى الحدّ الذي كشفت فيه منطقها الداخلي، وأطلقت آثاره النهائية، فأنتجت عكس وعودها الأصلية. ما نراه اليوم—من لا مساواةٍ متفاقمة، وتضخمٍ إداري، وتآكلٍ في الروابط الاجتماعية، واغترابٍ سياسي—ليس خيانةً للفكرة الليبرالية، بل تجلّيها الكامل.
منذ نشأتها الحديثة، أعادت الليبرالية تعريف الحرية تعريفًا قاطعًا مع التقليد الكلاسيكي والأخلاقي: لم تعد الحرية فنّ الحكم على الذات عبر التهذيب والفضيلة والانغراس في العادات، بل صارت تحرّرًا من القيود الخارجية، ولا سيما الأعراف والتقاليد. هذا التحوّل المفهومي، الذي بدا في لحظته وعدًا بالتحرّر، حمل في طياته مفارقةً تأسيسية: كلما تراجعت القيود الاجتماعية غير المكتوبة، ازداد الاعتماد على القانون والتنظيم والإدارة لضبط آثار هذا “التحرّر”. وهكذا، وباسم تقليص الدولة، تتسع الدولة؛ وباسم إطلاق الفرد، يُحاصر الفرد بمنظوماتٍ لا يملك عليها سيطرة.
لا يعمل هذا المنطق في السياسة وحدها. في الاقتصاد، تُترجم سيادة الاختيار الفردي إلى سوقٍ بلا حدود، تتآكل فيها الأطر المحلية والوطنية أمام دينامية العولمة. السوق التي وُعدت بأن تكون مساحةً للتبادل الحرّ داخل المدينة، تتحوّل إلى منظومة كونية لا تُدار سياسيًا. المفارقة تتكرّر: تحرير الاقتصاد يفرض دولةً أكبر لحماية الحقوق وتنظيم المنافسة ومعالجة الخسائر الاجتماعية؛ والدولة الأكبر، بدورها، تعمّق اغتراب المواطن الذي يشعر بأن القرارات المصيرية تُتخذ في فضاءاتٍ بعيدة عنه.
من هنا يلتقي عند دينين ما يبدو متناقضًا: الفردانية والسلطوية. فكلما جُرِّد المجتمع من مؤسساته “السميكة”—الأسرة، الجمعيات، الكنائس، النقابات—أصبح الفرد أعزل، محتاجًا إلى تدخل الدولة وإلى حماية السوق في آنٍ معًا. الدولة والسوق، في هذا المعنى، ليسا خصمين؛ إنهما كماشة واحدة. الأولى تُؤمِّن شروط الاختيار الفردي، والثانية تُنتج نتائجه غير المتكافئة؛ وكلتاهما تنموان معًا.
وتبلغ الأزمة ذروتها في المجال الثقافي. الليبرالية، بوصفها مشروعًا كونيًا، تشكّك في كل “شكل”: الحدود، الفوارق، التقاليد، وحتى المعطيات الطبيعية. تُستدعى لغة التنوع والتعدّد، لكن النتيجة الفعلية هي تجانسٌ عالمي في أنماط العيش والاستهلاك والخيال السياسي. تُمحى الخصوصيات باسم الاختيار، وتُستبدل بثقافةٍ معيارية تُدار عبر التقنية والسوق. هنا لا تعود الثقافة إطارًا للتكوين الأخلاقي، بل تُختزل إلى ذوقٍ فردي قابل للتبديل.
التقنية، التي وُعدنا بها أداةً للتحرّر من قيود المكان والزمان، تُعمّق هذا المسار. فهي لا تمنح أدواتٍ محايدة فحسب، بل تُعيد تشكيل الوعي والانتباه والعلاقات. ما يُقدَّم كاتصالٍ دائم ينتج عزلةً دائمة؛ وما يُسوَّق كتحكّمٍ أكبر في الحياة اليومية يخلق تبعيةً متزايدة لمنصّاتٍ لا تخضع للمساءلة الديمقراطية. هكذا تتحقق الحرية بوصفها “لا حدود”، لكنها تتحول إلى ضرورة تقنية لا فكاك منها.
سياسيًا، تتآكل الديمقراطية من الداخل. الليبرالية تحتاج إلى شرعيةٍ ديمقراطية، لكنها في الوقت نفسه تخشى الديمقراطية حين تعبّر عن رفضها لمنطق السوق أو لإملاءات النخب الإدارية. لذلك تُحتوى الطاقة الديمقراطية عبر القضاء، والإدارة، والسلطة التنفيذية، بينما تُدان أشكال الاعتراض الشعبي بوصفها “شعبوية”. ليست المشكلة، عند دينين، في “غوغائية” الجماهير، بل في تفريغ الديمقراطية من شروطها الاجتماعية: مواطنون متجذّرون في روابط، قادرون على الثقة المتبادلة والعمل المشترك. حين تُفكَّك هذه الشروط باسم الحرية الفردية، لا تعود الديمقراطية ممكنة إلا شكليًا.
وفي التعليم، يظهر الوجه الأكثر قسوة لهذه المفارقة. تُرفع شعارات العدالة وتكافؤ الفرص، بينما تتحول الجامعات إلى مطاحن فرزٍ تُعيد إنتاج “أرستقراطية جديدة” قائمة على الجدارة الشكلية والشهادات، وتربط النجاح بالاندماج في اقتصادٍ معولم. تُهمل الفنون الحرة—التي صُمّمت تاريخيًا لتكوين مواطنٍ حرّ—لصالح تعليمٍ نفعيّ يَعِدُ بالأمان الوظيفي في عالمٍ لا يمنحه.
هل يقدّم دينين بديلًا مكتملًا؟ عن قصد، لا. وهو يرى أن استعجال “نظامٍ جاهز” هو استمرار للعقل الأداتي الليبرالي ذاته. بدل ذلك، يدعو إلى سياسة ما بعد ليبرالية تبدأ من إعادة بناء الحياة المشتركة: ثقافة محلية، مؤسسات وسيطة، عادات تُعيد للحرية معناها كقدرةٍ على الحكم الذاتي لا كتحرّرٍ بلا وجهة. ليست هذه رومانسية حنينٍ إلى الماضي، بل إدراكٌ بأن السياسة لا تُصلَح من فوق وحده، وأن الشرعية لا تُستعاد بلا مجتمعٍ قادر على إنتاجها.
في هذا المعنى، لا يعلن دينين نهاية التاريخ، بل نهاية وهمٍ بعينه: وهم أن مزيدًا من الليبرالية سيعالج أمراض الليبرالية. ما يقترحه هو تحوّلٌ في السؤال نفسه: من “كيف نُكمِل المشروع؟” إلى “أيّ حرية نريد، ولأيّ حياة مشتركة؟”. سؤالٌ ثقيل، لكنه ربما السؤال الوحيد الذي يستحق أن يُطرح في زمنٍ بلغ فيه النجاح حدّ الانقلاب على ذاته

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com