الفشقة وسدّ النهضة… حين تتحوّل الحدود والمياه إلى سلاح جيوسياسي يعيد رسم أفريقيا

بقلم مبارك بيضون
مدير مركز بيروت الأخبار

لم يعد النزاع بين السودان وإثيوبيا مجرّد خلاف حدودي تقليدي يمكن احتواؤه باتفاقيات ثنائية أو وساطات ظرفية، بل بات واحدًا من أكثر الملفات تعقيدًا في القارة الأفريقية، نظرًا لتشابكه العميق مع قضايا المياه والطاقة والنفوذ الإقليمي، وتقاطعه مع مصالح دولية فاعلة تسعى إلى توظيف هذا الصراع ضمن استراتيجيات أوسع لإعادة رسم موازين القوى في القرن الأفريقي وحوض النيل.

فمنطقة الفشقة، بما تحمله من رمزية سيادية وقيمة زراعية هائلة، تحوّلت إلى نقطة اشتباك مفتوحة بين الخرطوم وأديس أبابا، في ظل تمسّك السودان بترسيم الحدود وفق اتفاقيات 1902، مقابل مماطلة إثيوبية مدروسة تستند إلى واقع ميداني فرضه مزارعون مدعومون بقوى مسلّحة غير نظامية، ما أوجد حالة احتكاك عسكري متقطّع قابلة للانفجار في أي لحظة.

غير أن الفشقة ليست سوى واجهة لصراع أعمق يتمحور حول سدّ النهضة، المشروع الذي تراه إثيوبيا حجر الزاوية في نهضتها الاقتصادية وتحرّرها الطاقوي، فيما تنظر إليه السودان ومصر بوصفه تهديدًا مباشرًا للأمن المائي والاستقرار البيئي والاقتصادي، خصوصًا في ظل غياب اتفاق قانوني ملزم ينظّم آليات التشغيل والملء ويضمن عدم استخدام المياه كورقة ضغط سياسية في المستقبل.

هذا التداخل بين النزاع الحدودي والصراع المائي منح الأزمة أبعادًا استراتيجية خطيرة، جعلتها محط اهتمام قوى دولية كبرى، وفي مقدّمها الولايات المتحدة التي ترى في استقرار القرن الأفريقي ضرورة لحماية مصالحها الأمنية والاقتصادية وممرات التجارة الدولية، وكذلك إسرائيل التي نسجت خلال السنوات الماضية شبكة علاقات متنامية مع إثيوبيا في مجالات الأمن والتكنولوجيا والزراعة والطاقة، مستفيدة من هشاشة الدول المحيطة وتعدّد بؤر النزاع لتعزيز حضورها الاستراتيجي في أفريقيا والتحكّم غير المباشر بمفاصل حساسة تتعلق بالمياه والغذاء والطاقة.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل النزاع السوداني الإثيوبي عن موقع مصر في المعادلة، إذ تمثّل القاهرة الطرف الأكثر قلقًا من تداعيات سدّ النهضة على أمنها القومي، وتجد نفسها أمام تحدٍّ وجودي يدفعها إلى تعزيز تحالفها مع السودان، والانخراط في معركة دبلوماسية مفتوحة تهدف إلى منع تكريس واقع مائي جديد قد يغيّر قواعد التحكم بنهر النيل لعقود مقبلة.

ومع استمرار الأزمات الداخلية في السودان، والتعقيدات الإثنية والسياسية داخل إثيوبيا، يبدو أن هذا الصراع مرشّح لمزيد من التدويل، لا سيما إذا ما استُخدمت ملفات المياه والطاقة كأدوات ضغط في لعبة النفوذ الإقليمي والدولي، الأمر الذي ينذر بأن أفريقيا مقبلة على مرحلة إعادة تشكيل جيوسياسي يكون فيها التحكم بالمياه والطاقة أحد أبرز مفاتيح الصراع، فيما تتحرّك قوى خارجية ببراغماتية عالية لملء الفراغات، واستثمار النزاعات، وتحويل الأزمات المحلية إلى أوراق استراتيجية تخدم مصالحها بعيدة المدى، على حساب استقرار الدول وشعوب المنطقة.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com