لبنان بين الرعاية الفرنسية والوساطة القطرية: الجيش في قلب المعادلة الدولية
تقرير تحليلي – مركز بيروت للأخبار
يشكّل الحراك السياسي والدبلوماسي الذي شهده لبنان أمس محطة بالغة الدلالة في مسار التعاطي الدولي مع أزمته المركّبة، ولا سيما في ما يتصل بملف دعم الجيش اللبناني بوصفه الركيزة الأكثر تماسكًا في بنية الدولة. فما جرى لم يكن اجتماعًا بروتوكوليًا عاديًا، بل حلقة ضمن مسار متدرّج لإعادة إدراج المؤسسة العسكرية في صلب أي مقاربة للاستقرار الأمني والسياسي.
المعلومات المتقاطعة تفيد بأن لقاءات سياسية مكثفة سبقت الاجتماعات الدبلوماسية التي عُقدت أمس مع رئيس الجمهورية، وأسهمت في إعادة رسم إطار المبادرة المطروحة. وقد برز بوضوح الدور القطري، الذي لم يأتِ كعامل طارئ، بل كنتاج موقف لبناني منفتح على وساطة الدوحة وقدرتها على الجمع بين البعد المالي والغطاء السياسي، ما أدى إلى توسيع دائرة التنسيق من صيغة ثلاثية إلى مقاربة خماسية أكثر شمولًا.
فرنسا: راعٍ سياسي تاريخي بوجه جديد
اختيار باريس لاستضافة مؤتمر دعم الجيش اللبناني لم يكن تفصيلاً تقنيًا، بل قرارًا سياسيًا يحمل أكثر من رسالة. ففرنسا، التي لطالما قدّمت نفسها كـ«الضامن الدولي» للملف اللبناني، تسعى اليوم إلى إعادة تثبيت حضورها، ولكن ضمن مقاربة مختلفة عن تلك التي أعقبت انفجار مرفأ بيروت. فباريس تدرك أن أي مبادرة أحادية لم تعد قابلة للحياة، وأن إشراك أطراف إقليمية فاعلة بات ضرورة لا خيارًا.
من هنا، يأتي الدور الفرنسي كمنسّق سياسي ودبلوماسي، يوفّر الغطاء الدولي، ويعيد ربط ملف الجيش بسياق أوسع يشمل تنفيذ الالتزامات الأمنية، ولا سيما في جنوب لبنان وشمال الليطاني، بما ينسجم مع متطلبات القرار 1701، من دون الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة.
قطر: التمويل الهادئ والوساطة المرنة
في المقابل، تبرز قطر كلاعب محوري في الجانب العملي للمبادرة. فالدوحة، التي راكمت خبرة في إدارة ملفات معقّدة من لبنان إلى أفغانستان، تتحرّك بأسلوب أقل صخبًا وأكثر فعالية. وترجيح انعقاد ورش العمل التحضيرية في قطر يعكس ثقة دولية بقدرتها على إدارة التفاصيل التقنية والمالية، بعيدًا عن التجاذبات السياسية المباشرة.
الدور القطري لا يقتصر على التمويل، بل يتعداه إلى لعب دور الوسيط القادر على التحدث مع مختلف الأطراف، وتسهيل التفاهمات غير المعلنة التي غالبًا ما تسبق أي مؤتمر دولي ناجح.
الجيش: من الدعم الظرفي إلى التمويل المستدام
الهدف المعلن للمؤتمر المرتقب يتمثل في تأمين التمويل اللازم لاحتياجات الجيش اللبناني، انطلاقًا من خططه العملانية، خصوصًا في منطقة شمال الليطاني. إلا أن البعد الأعمق يتمثل في محاولة نقل الدعم من إطار المساعدات الظرفية إلى منطق التمويل المستدام، القائم على خطط واضحة، وجداول تنفيذ، وآليات رقابة.
وفي هذا السياق، تعمل قيادة الجيش على إعداد جردة مالية دقيقة وتقارير أمنية مفصّلة، في مسعى لتقديم مقاربة واقعية وشفافة، تستجيب لشروط الدول المانحة التي لم تعد تكتفي بالشعارات أو الوعود.
البعد الأمني الأميركي
توازيًا، لا يمكن عزل وصول وفد أمني أميركي إلى بيروت عن هذا المناخ. فإعادة فتح ملف المواطن الأميركي المخطوف في سوريا منذ عام 2012 تحمل دلالات تتجاوز الجانب الإنساني، وتشير إلى اهتمام أميركي بإعادة تفعيل قنوات التواصل الأمني، في لحظة إقليمية تشهد إعادة ترتيب للأولويات.
خلاصة
لبنان يقف اليوم أمام فرصة دقيقة: تقاطع فرنسي–قطري، اهتمام دولي مشروط، وجيش يشكّل نقطة الإجماع النادرة. غير أن تحويل هذه الفرصة إلى مسار مستقر يتطلّب من الدولة اللبنانية أكثر من الترحيب بالمبادرات، بل قدرة فعلية على الالتزام، والإدارة، واستثمار الدعم في بناء استقرار طويل الأمد، يبدأ بالمؤسسة العسكرية، ولا ينتهي عندها