واشنطن أمام مأزق إيراني معقّد: الضربات المحدودة بدلاً من الحرب الشاملة
على الرغم من تأكيد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب امتلاكها «خيارات عسكرية متعددة» تجاه إيران، تشير تقديرات خبراء إلى أن هذه الخيارات باتت أضيق بكثير مما كانت عليه في السابق. فمع غياب أي حشد عسكري أميركي كبير في الشرق الأوسط، واستمرار نقل الأصول العسكرية إلى مناطق أخرى مثل البحر الكاريبي وكوريا الجنوبية، تبدو فرص اندلاع حرب واسعة مع طهران مستبعدة، مقابل ترجيح اللجوء إلى عمليات عسكرية محدودة تحمل طابعاً رمزياً ورسائلياً.
وبحسب تقارير غربية، فإن جزءاً كبيراً من القدرات العسكرية التي كانت متاحة لواشنطن في المنطقة قد أُعيد نشره خارجها، بما في ذلك حاملات طائرات وأنظمة دفاع جوي. كما أن استنزاف مخزونات الأسلحة الأميركية، إلى جانب الضغط المتزايد على أنظمة الدفاع الجوي، يحدّ من قدرة الولايات المتحدة على خوض تصعيد طويل الأمد، خصوصاً في ظل توقع ردّ إيراني على أي ضربة جديدة.
ولا تكمن المعضلة الأميركية، وفق مراقبين، في القدرة على تنفيذ عمل عسكري بحد ذاته، بل في تحديد الهدف النهائي منه. فطرح خيارات من قبيل توجيه ضربات محدودة إلى مواقع للحرس الثوري أو منشآت صاروخية، أو حتى أهداف رسمية داخل طهران، قد يحقق أثراً رمزياً، لكنه في الوقت نفسه قد يعزز التفاف الإيرانيين حول النظام، بدلاً من إضعافه.
ويحذّر خبراء من خطورة تبسيط المشهد الإيراني أو مقارنته بتجربة فنزويلا، مؤكدين أن بنية النظام في طهران أكثر تماسكاً وتعقيداً، وتعتمد على شبكة أمنية ــ أيديولوجية عابرة للحدود، ما يجعل أي تغيير في رأس الهرم غير كافٍ لتفكيك منظومة السلطة. كما أن تاريخ إيران في مواجهة التدخلات الخارجية يزيد من احتمالات النتائج العكسية لأي مغامرة عسكرية.
وفي الإطار الإقليمي، تخشى دول الخليج وتركيا وباكستان من أن يؤدي أي تصعيد أو انهيار داخلي في إيران إلى فوضى واسعة النطاق، في ظل غياب قيادة موحدة للمعارضة وتنوع القوى المحتجة. وتعيد هذه المخاوف إلى الأذهان تداعيات «الربيع العربي» وما خلّفه من فراغات سلطوية وعدم استقرار.
أما الحديث عن دعم أميركي لشخصيات معارضة في المنفى، مثل ولي العهد الإيراني السابق رضا بهلوي، فيبقى، وفق مصادر مطلعة، في إطار النقاشات غير الحاسمة، نظراً إلى محدودية شعبيته داخل إيران والشكوك حول قدرته على قيادة مرحلة انتقالية.
خلاصة المشهد أن واشنطن تجد نفسها أمام ملف إيراني شديد التعقيد: لا حرب شاملة ممكنة من دون كلفة باهظة، ولا ضربات محدودة قادرة وحدها على إحداث تغيير جذري، فيما يبقى شبح الفوضى الإقليمية هاجساً حاضراً لدى حلفائها قبل خصومها.
