كتب ألبير خوري

في الوقت الذي يحاول بعض السياسيين والقيادات إفشال حكومة الرئيس الدكتور حسان دياب، بوضع العصي في دواليب نشاطه ونشاطها وإصرارها على المضي قدماً في إثبات وجودها وجدارتها في إطفاء الحرائق اللبنانية.. في الوقت ذاته، يستمر هذا البعض على رهانه بإسقاط حكومة “الفريق الواحد”، كما يتهمونها مراراً وتكراراً، يكشف الرئيس دياب، تجربة بعد أخرى، عن مهارات سياسية وبلاغية قلّ أن تحلّى بها كل من سبقه الى السلطة التنفيذية.
في خطابه الأخير بعد الجلسة الحكومية في بعبدا، وقرار الحكومة مجتمعة بالامتناع عن دفع لبنان سندات اليوروبوندز واللجوء الى جدولتها وهيكلتها وفق خطة مدروسة تعفي البلاد من عقوبات الدائنين اللبنانيين والأجانب، وبالتالي إنقاذه من تهمة “الإفلاس الدولي”.. في هذا الخطاب، أوجز الرئيس دياب حقيقة الأزمات اللبنانية وتداعياتها المباشرة وغير المباشرة.
أوجز دياب ببلاغة موضوعية ومسؤولية الخطاب الوطني بلا زيف ولا تشويه. وصف الوضع الشديد التأزم على ما هو عليه. صارح اللبنانيين بما يمكن لحكومته أن تقدم عليه خطوة تلو أخرى. لم يعدهم بما لا طاقة لحكومته تنفيذه في عدة أسابيع أو عدة شهور. جاء توصيفه دقيقاً، وخصوصاً لجهة الفساد والفاسدين ممن أوصلوا البلاد الى كوارث مالية ونقدية واقتصادية في خلال ثلاثة عقود منصرمة. “كان الفساد خجولاً، ثم جريئاً فقبيحاً وفاجراً”. قال دياب بالفم الملآن، لم يردعه أي من القيادات في أبراجها العالية، ولا أي من الاحزاب بسلاحها وتهديداتها.. لا بل تجرأ للإفصاح بكل ثقة واعتزاز بالنفس، أنه وحكومته سوف يؤسسان لقيام “الجمهورية الثالثة”على أنقاض جمهوريتين، “اشباه جمهوريات”، أسّسا بالتكافل والتضامن بين زعاماتها وقياداتها وأحزابها، نظاماً “استثنائياً” إن لم يكن “متفرداً” في ديمقراطيته، أوقع البلاد في حروب ونزاعات وارتماء في أحضان الخارج القريب والبعيد، الشقيق والصديق، وحتى في بعض الاحيان الاعداء.
ونذكر في هذا السياق ثورة 1958 في وجه الرئيس الراحل كميل شمعون الذي كان يخطط لتجديد ولايته. سبق شمعون رئيس استقلال لبنان بشارة الخوري الذي تراخى أمام سلطة شقيقه “السلطان سليم” ففقد بالتالي سلطته لصالح “السلطان” فكان السبّاق بين المفسدين. تكرّرت التجارب الرئاسية الأولى والثانية في عهود الرؤساء المتعاقبين ولم يخلص من التهم سوى الرئيسين فؤاد شهاب والياس سركيس، وكاد الرئيس بشير الجميل أن ينجح في تأسيس الجمهورية الثالثة، لكن اغتياله جراء لقائه مع رئيس وزراء اسرائيل ميناحيم بيغين – فعل لم ينفه بشير -مدّد في الحرب الاهلية اللبنانية، وحيث اللبنانيون ما زالوا حتى اليوم يعانون أثارها وتداعياتها، عهداً بعد آخر، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً… توارثت المافيات والزعامات والقيادات السلطتين المالية والسياسية. “فرّخ” الفساد الخجول، “فسادات فاجرة ونافرة”، نهبت البلاد بـ”الطول والعرض”، شمالاً وجنوباً، جبلاً وسهلاً وبقاعاً، فجرت ثورة السابع عشر من تشرين، وساهمت في ولادة حكومة الرئيس حسان دياب.. ولادة عسيرة إنما نجحت في اساليبها الاولى الى إبعاد المافيات عن السلطة، والمباشرة بكشف أمراء الفساد، وهم أنفسهم أمراء الحرب، تأسيساً لـ”الجمهورية الثالثة”.
قرارات الرئيس دياب صائبة حتى الآن مهما بالغ المعترضون في مهاجمة حكومته ونقدهما بغير حق، ولأسباب تعود جذورها لثلاثة عقود مضت، وها هي اليوم تحاول انقاذ ما تبقى من رئاسة الجنرال عون، وتلبية متطلبات الثوار، بما فيها محاسبة الفاسدين واسترداد المال المنهوب، والتحضير لانتخابات تشريعية مبكرة وجدولة سندات اليوروبوندز والانتقال من الاقتصاد الريعي الى الاقتصاد الانتاجي، ودفن نظام المحاصصة، ما يجعل من الدكتور حسان دياب رئيس حكومة استثنائي في زمن لبناني استثنائي.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com