تشهد إيران منذ اواخر العام 2025 موجة احتجاجات جديدة اتسمت باتساعها الجغرافي وتنوع دوافعها، في مشهد يعكس تراكمًا طويل الأمد من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ومع استمرار التحركات في الشارع، برز في المقابل خطاب رسمي شديد اللهجة، وسط تساؤلات حول حجم التأييد الشعبي للنظام، وإمكانية وجود حراك اجتماعي مناهض للاحتجاجات أو داعم للسلطة.

احتجاجات واسعة الانتشار وتحوّل في طبيعة المطالب

وفق ما نقلته وسائل إعلام دولية، وعلى رأسها يورونيوز، بدأت الاحتجاجات في طهران، ولا سيما في منطقة البازار الكبير، قبل أن تمتد سريعًا إلى عشرات المدن في محافظات متعددة. وتشير التقارير إلى أن آلاف المتظاهرين خرجوا إلى الشوارع في أوقات مختلفة، رافعين شعارات تندد بتدهور الأوضاع المعيشية، وانخفاض قيمة العملة، وارتفاع الأسعار، قبل أن تتطور في بعض المناطق إلى مطالب سياسية أوسع تتعلق بطبيعة الحكم وإدارة الدولة.

وتؤكد هذه المصادر أن الاحتجاجات لم تعد محصورة في فئة اجتماعية واحدة، بل شملت شرائح مختلفة، من تجار وموظفين وشباب، وهو ما يعكس حالة غضب اجتماعي أوسع، وإن كانت غير منظمة ضمن قيادة سياسية موحدة.

مواجهة أمنية وتصعيد رسمي

في مواجهة هذه التحركات، لجأت السلطات الإيرانية إلى إجراءات أمنية مشددة. فقد وثّقت الجزيرة ويورونيوز استخدام قوات الأمن للغاز المسيل للدموع والقوة لتفريق المتظاهرين في عدد من المدن، إضافة إلى فرض قيود على الإنترنت والاتصالات في بعض المناطق، في خطوة تهدف إلى الحد من التنسيق ونقل الصور والمقاطع من الشارع.

وعلى المستوى السياسي، جاء الخطاب الرسمي متشددًا. إذ وصف المرشد الأعلى علي خامنئي المحتجين بأنهم «مثيرو شغب» و«مخربون» يعملون، بحسب الرواية الرسمية، ضمن مخططات تقف خلفها قوى خارجية. كما حذرت السلطة القضائية من عدم التساهل مع المشاركين في الاحتجاجات، ولوّحت بعقوبات قاسية.

في المقابل، صدرت عن الرئيس الإيراني تصريحات أقل حدّة نسبيًا، دعا فيها إلى التمييز بين الاحتجاج السلمي وأعمال العنف، وإلى ضبط النفس، إلا أن هذه الدعوات لم تُترجم إلى تغيير ملموس في النهج الأمني على الأرض.

موقف المجتمع الدولي وملف حقوق الإنسان

التطورات داخل إيران لم تمر دون ردود فعل خارجية. فقد نقلت يورونيوز بيانات أوروبية مشتركة دعت فيها فرنسا وبريطانيا وألمانيا السلطات الإيرانية إلى احترام حرية التعبير والتجمع السلمي، وإلى وقف استخدام القوة ضد المتظاهرين. كما أصدرت منظمات حقوقية، مثل منظمة العفو الدولية، تقارير تتحدث عن استخدام «القوة المفرطة» ووقوع قتلى واعتقالات تعسفية، مطالبة بفتح تحقيقات مستقلة.

هل هناك تحركات شعبية داعمة للنظام؟

في خضم هذه التطورات، برز سؤال محوري حول ما إذا كان هناك حراك شعبي مضاد، أو مسيرات واسعة تؤيد الحكومة وترفض الاحتجاجات. حتى الآن، لا تشير المصادر المستقلة، بما فيها الجزيرة ويورونيوز، إلى وجود مسيرات جماهيرية منظمة وواسعة النطاق داعمة للنظام، بحجم يقارن بالاحتجاجات القائمة.

ما تم رصده يقتصر، وفق تقارير إعلامية، على تحركات محدودة أو مواقف فردية تدعو إلى «الاستقرار» ورفض «الفوضى»، وغالبًا ما تُبرزها وسائل الإعلام الرسمية أو القريبة من الحكومة. غير أن هذه التحركات لم تُوثَّق على نطاق وطني واسع، ولم تُظهر قدرة على تشكيل مشهد شعبي موازٍ للحراك الاحتجاجي.

صورة المشهد الإيراني الراهن

بناءً على مجمل المعطيات، يمكن القول إن إيران تعيش حالة توتر داخلي واضح، تتجلى في احتجاجات واسعة الانتشار، ورد أمني قوي، وخطاب رسمي يسعى إلى نزع الشرعية عن المتظاهرين. في المقابل، لا تتوافر حتى الآن أدلة موثوقة على وجود تعبئة شعبية واسعة دفاعًا عن النظام في الشارع، ما يترك المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، ترتبط بقدرة السلطة على احتواء الغضب الاجتماعي، أو بتطور الاحتجاجات نحو أشكال أكثر تنظيمًا.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com