من كاراكاس إلى طهران.. نبوءة المهمة الإلهية
بقلم: م. مصطفى زين العابدين
في واشنطن، لا تُقاس اللقاءات دائماً بما يُعلن عنها، بل بما يُترك خارج البيانات الرسمية. لقاء دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو الأخير لم يكن حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل محطة مفصلية في مسار يعاد فيه تعريف القوة، والشرعية، ومعنى “السلام” ذاته في النظام الدولي. الرجلان، اللذان يجمعهما أكثر من تحالف سياسي وإيديولوجية مشتركة، بدا أنهما يتصرفان وكأنهما يديران مرحلة ما بعد القواعد، لا مرحلة ما ضمنها.
منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025، بدا واضحاً أن السياسة الخارجية الأمريكية بدأت تدخل طوراً مختلفاً. الخطاب كان مألوفاً للبعض: “إنهاء الحروب، إعادة الاستقرار، تصحيح انحرافات الإدارات السابقة ووو”. لكن الممارسة، كما جرت العادة في التجربة الترامبية، سلكت مساراً مغايراً، قوامه إعادة ترتيب بؤر الصراع بدل إطفائها. هي نقاط لم يسعفه الوقت لتنفيذها في دورته الرئاسية الأولى، ليعود أكثر شراسة بعد وعوده للوبيات بالتطبيق الفوري مهما كانت النتائج.
الاحتلال بالعقود لا بالقيود
في مطلع العام الحالي 2026، شكّلت فنزويلا لحظة كاشفة. لم يكن التدخل الأمريكي مجرد ضغط سياسي أو عقوبات اقتصادية، بل نموذجاً مكتمل الأركان لما يمكن تسميته “احتلالاً تعاقدياً” (كما سبق وفعلت الإدارات السابقة مع دول أمريكا اللاتينية في الخمسينيات والثمانينيات من القرن الماضي). السيطرة على القرار السيادي، فتح قطاع النفط أمام الشركات الأمريكية بعقود طويلة الأجل، وإعادة تشكيل القيادة السياسية تحت مظلة “الشرعية الجديدة”.
الأخطر في التجربة الفنزويلية لم يكن فقط بانتهاك السيادة، بل “تطبيع فكرة أن الموارد تمنح الشرعية”، وأن الدولة التي تفشل في إدارة ثروتها تُدار بالنيابة عنها. وهو منطق يعيد إحياء عقيدة مونرو، لكن بلغة القرن الحادي والعشرين: “الأسواق بدل الجيوش، والعقود بدل الاحتلال الكلاسيكي”.
وهنا، يصبح السؤال “من التالي؟” سؤالاً منطقياً لا تحريضياً.
نتنياهو وترامب: حين تلتقي العقيدة قبل الأجندة
قبل أن يلتقيا عند المصالح، التقى دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو عند فكرة أعمق وأخطر،” الإيمان بأن لكلٍ منهما دوراً يتجاوز السياسة، ويقترب من المهمة الإلهية”.
ترامب، في أكثر من مناسبة علنية وخاصة، قدّم نفسه بوصفه “المختار لإعادة أمريكا إلى عظمتها”، مستخدماً لغة تقترب من الخطاب الإنجيلي الذي يرى في القوة الأمريكية أداةً لإرادة إلهية. أما نتنياهو، فلم يُخفِ يوماً قناعته بأن “إسرائيل ليست دولة طبيعية” (نفس اللغة والعقيدة والتفكير الذي تبناه الآباء المؤسسون للولايات المتحدة)، بل مشروعاً تاريخياً له وظيفة أخلاقية و رسالية في محيط تعاد صياغته.
هذا التوازي في الاعتقاد بالاصطفاء هو ما يمنح تحالف الرجلين صلابة تتجاوز البراغماتية. كلاهما يتعامل مع السلطة لا بوصفها تفويضاً مؤقتاً، بل تكليفاً تاريخياً، حيث يصبح التراجع ضعفاً، والتسوية خيانة للفكرة الكبرى.
لكن، وعلى الرغم من هذا التقاطع العقائدي، فإن الأجندتين لا تتطابقان بالكامل. فترامب ينظر إلى العالم كشبكة صفقات كبرى، حيث تُعاد صياغة التحالفات وفق منطق الربح والخسارة، وتُختزل الجغرافيا إلى أسواق وممرات موارد. في المقابل، يرى نتنياهو الشرق الأوسط من منظور (أمني – وجودي)، حيث لا مجال لهوامش الخطأ، ولا قيمة لأي توازن لا يضمن تفوق “إسرائيل” المطلق.
ما يجمعهما إذاً ليس مشروع واحد، بل رؤية مشتركة للسلطة،” سلطة لا تعترف بالقيود التقليدية، ولا ترى في القانون الدولي مرجعية نهائية، بل أداة ظرفية”. ومن هنا، يتحول التحالف بينهما إلى ما يشبه “تقاطع المسارات لا اندماجها”. تقاطعٌ تحكمه لغة الرسالة، لكنه يُنفّذ بأدوات القوة.
لذا، فلقاء واشنطن، لم يكن لتبادل المجاملات. نتنياهو جاء وهو يحمل أزمة داخلية عميقة، وحرباً مفتوحة بلا أفق سياسي، وبيئة إقليمية تتحرك على حافة الانفجار. وترامب، من جهته، ينظر إلى الشرق الأوسط بوصفه ملفاً قابلاً لإعادة الصياغة، لا للإدارة التقليدية وهنا يتقاطع الرجلان عند نقطة حساسة:
• ترامب يريد شرق أوسط أقل كلفة وأكثر ربحاً.
• نتنياهو يريد شرق أوسط أقل تهديداً وأكثر خضوعاً.
والوسيلة المشتركة بينهما هي القوة المُعاد تعريفها أخلاقياً.
هذا التداخل بين اللاهوت والسياسة ليس جديداً، لكنه اليوم أكثر فجاجة. السؤال الذي يفرض نفسه هنا (كما تطرحه دوائر فكرية غربية قبل غيرها) هو:
كيف يمكن لمشروع يُقدَّم باعتباره أخلاقياً أن يعتمد أدوات تُنتج فوضى أوسع؟
المفارقة أن خطاب “تطهير العالم من الشر” يُمارَس عبر سياسات توسّع مساحات العنف، وتُضعف القانون الدولي، وتلغي دور المنظمات الدولية معيدة تعريف السيادة بوصفها امتيازاً لا حقاً.
إيران.. الهدف غير المُعلن
رغم كل الحديث عن فنزويلا، يبقى الشرق الأوسط هو المسرح الأثقل، والتصريحات الإسرائيلية التي نُقلت عبر قنوات روسية عن “عدم وجود نيّة إسرائيلية حالية لاستهداف إيران” لا يمكن قراءتها على عجالة، تاريخ المنطقة مليء بلحظات الطمأنة التي سبقت الصدمة وكلها كانت من نفس المصدر.
وبالتالي فإن التصعيد في جنوب لبنان، بالتوازي مع رسائل التهدئة، يعكس نمطاً معروفاً في التفكير الاستراتيجي، “إبقاء الخصم في حالة ترقب، ثم إعادة خلط الأوراق ميدانياً”. إيران، بترسانتها وقدرتها على الرد غير المتماثل، لا تُعامل كخصم عادي، بل كعقدة يجب تفكيكها تدريجياً وبالتالي لا يبدو أن الخيار هو الحرب الشاملة بقدر ما هو إعادة تشكيل البيئة المحيطة من خلال:
• ضرب الهوامش
• خنق الموارد
• عزل النفوذ
• ثم فرض شروط “التسوية”
عالم بلا قواعد واضحة
هكذا، بات جلياً وواضحاً أن ما يتشكل اليوم ليس تحالفاً تقليدياً، بل منهجاً في إدارة العالم، قوة تُبرَّر أخلاقياً، وسيادة تُقاس بالمنفعة، ودول تُصنَّف وفق قدرتها على الاندماج أو العرقلة.
لقاء ترامب ونتنياهو لا يقدم إجابة قاطعة عن “الهدف التالي”، لكنه يوضح شيئاً أخطر، وهو أن المرحلة القادمة لن تُدار بمنطق القانون، بل بمنطق القدرة على فرض الرواية. وفي عالم كهذا، لا يكون السؤال من التالي فقط، بل: من يملك القدرة على النجاة خارج هذا المنطق

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com