خطاب ترامب والعدالة الدولية: حين تحكم القوة لا القانون

بقلم: مبارك بيضون
مدير مركز بيروت للأخبار

لم يكن خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخير، عقب ما جرى في فنزويلا، مجرّد إحاطة سياسية أو تبرير لعملية أمنية أو عسكرية عابرة، بل شكّل إعلانًا صريحًا عن تصور خاص للعدالة الدولية؛ عدالة لا تُدار من قاعات الأمم المتحدة، ولا من أروقة المحاكم الجنائية الدولية، بل من المكتب البيضاوي، وباللغة التي لا تعترف إلا بمنطق القوة.

في خطابه، تعمّد ترامب استعراض العملية بوصفها “إنجازًا مثاليًا”، مشددًا على دقّتها، وسرعتها، وغياب أي خسائر أميركية، ومقارنًا إياها بعمليات اغتيال واعتقال سابقة نفّذتها الولايات المتحدة خارج حدودها. غير أن جوهر الخطاب لم يكن في توصيف العملية، بل في الأساس الذي منحها شرعيتها، حين قال صراحة أو ضمناً إن واشنطن تتحرك “نيابة عن العدالة الدولية”.

وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي لا يمكن القفز فوقه:
هل أصبحت العدالة الدولية في يد الرئيس الأميركي؟
وهل يحق لرئيس الولايات المتحدة، بحكم القوة والنفوذ، أن يقرّر من هو المذنب، ومن يجب اعتقاله، وكيف ومتى، دون أي تفويض أممي، أو غطاء قانوني دولي، أو احترام لسيادة الدول؟

ترامب لم يأتِ في خطابه على ذكر قرار صادر عن مجلس الأمن، ولا على تفويض من مؤسسات دولية، ولا حتى على مسار قانوني واضح. بل بدا وكأن هذه المؤسسات باتت تفصيلًا ثانويًا في نظام عالمي جديد، تُختصر فيه الشرعية بالقوة، ويُستبدل القانون الدولي بإرادة الدولة الأقوى.

الأخطر من ذلك، هو الازدواجية الفاضحة التي تكشفها هذه المقاربة. ففي الوقت الذي يقدّم فيه ترامب التدخل في فنزويلا على أنه دفاع عن الأميركيين في وجه تجارة المخدرات، تقف الولايات المتحدة نفسها في موقع المعطِّل لأي مسار عدالة دولية حقيقي تجاه جرائم موثّقة ارتُكبت بحق المدنيين في غزة ولبنان.

مجازر الأطفال، وتدمير الأحياء السكنية، وسقوط آلاف الضحايا، كلّها وقائع شاهدها العالم بأسره، ومع ذلك بقيت القرارات الدولية المتعلقة بمحاسبة رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معلّقة أو مُفرغة من مضمونها، بفعل الحماية السياسية الأميركية. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:
لماذا تُفعَّل العدالة الدولية ضد الخصوم، وتُجمَّد حين تتعلق بالحلفاء؟

في سياق خطابه، لم يكتفِ ترامب بالبعد الأمني، بل ربط العملية بوضوح بخطاب اقتصادي وتجاري، متحدثًا عن السيطرة على طرق التهريب، وعن إدارة المرحلة المقبلة، وعن تأمين المصالح الأميركية في المنطقة. وهو ما يعيد إلى الأذهان منطق التدخلات السابقة التي رُفعت فيها شعارات القانون والديموقراطية، فيما كان الهدف الفعلي هو إعادة رسم النفوذ والهيمنة.

إن ما يطرحه ترامب ليس مجرد اجتهاد سياسي، بل مقاربة خطيرة للنظام الدولي، تقوم على تحويل العدالة إلى أداة انتقائية، تُستخدم حين تخدم المصالح الأميركية، وتُهمل حين تعيقها. وهي مقاربة تُفرغ مفاهيم القانون الدولي، والديموقراطية، وحقوق الإنسان من مضمونها الحقيقي، وتحوّلها إلى شعارات ظرفية.

في المحصلة، يكشف خطاب ترامب عن أزمة أعمق من حدث فنزويلا بحد ذاته. إنها أزمة نظام عالمي تتآكل فيه المرجعيات القانونية، وتُهمّش فيه المؤسسات الأممية، وتُستبدل فيه القواعد الدولية بمنطق “من يملك القوة يملك القرار”.

وهنا، لا يعود السؤال: ماذا فعل ترامب؟
بل يصبح السؤال الأخطر:
إلى أي عالم نتجه، حين تصبح العدالة الدولية قرارًا رئاسيًا، لا قانونًا جامعًا؟

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com