نادين خزعل.خاص مركز بيروت للأخبار.

اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أحدث زلزالًا سياسياً عسكريًّا اجتماعيًّا تكنولوجيًّا على عدة مستويات..

المشهد تجاوز تغييراً في السلطة وعكس تحوّلاً عميقاً في طبيعة الصراعات المعاصرة. فالدولة التي بدت ثابتة في موقعها، وجدت نفسها في ساعات قليلة خارج السيطرة، من دون معارك طويلة أو مشاهد اجتياح تقليدية، في صورة تعكس انتقال القوة من الميدان العسكري المفتوح إلى الفضاء الرقمي الخفي.

الإعلان الأميركي المتغطرس عن نجاح العملية، وما رافقه من شلل شبه كامل في مفاصل الدولة الفنزويلية، أظهر أن الحروب الحديثة تُحسم عبر تفكيك منظومات القرار قبل إسقاط القيادات، وعبر ضرب البنية التحتية للاتصال والطاقة والدفاع في لحظة واحدة، وهو ما أفقد السلطة قدرتها على الرد أو حتى الفهم الكامل لما يجري.

في هذا السياق، برز الدور الحاسم للتكنولوجيا المتقدّمة، حيث تصدّرت الأنظمة الذكية والطائرات المسيّرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي المشهد، وتحوّل الإنسان الميداني إلى جزء من شبكة معلوماتية واسعة، يتحرّك وفق بيانات آنية قادمة من الأقمار الصناعية وأدوات الرصد المتطوّرة. هكذا، لم تعد ساحة المعركة أرضاً تُقاس بالأمتار، وإنما فضاءً رقمياً تُدار تفاصيله على الشاشات.

الزمن نفسه فقد معناه التقليدي، إذ أُنجزت العملية خلال ساعات قليلة، في إيقاع يعكس سرعة المعالجة التقنية،
فالعملية برمّتها، من الضربات الجوية المركّزة لتعطيل الدفاعات، وصولاً إلى إخراج الهدف، لم تستغرق سوى ساعات قليلة، فيما لم يتجاوز القصف الجوي نصف ساعة تقريباً.
وهكذا يثبت العالم مرة جديدة أن الحروب المقبلة لن تُدار بالعقيدة العسكرية القديمة،
لم تعد المعركة بين جنود وجنود، بل بين خوارزميات وأنظمة ذكية تدير المشهد من الجو وبين عقول رقمية تتحكم بالميدان عن بُعد. ومن يمتلك التكنولوجيا، يمتلك القرار: بمعنى آخر من يمتلك الكود يحكم ويتحكم وينتصر ومن لا يملكه ينهزم.

هذا الواقع يفرض قراءة جديدة لمفهوم القوة في العالم، حيث لم يعد التفوق مرتبطاً بعدد الجنود أو حجم الترسانة، وإنما بالقدرة على التحكم بالتكنولوجيا وتوظيفها في اللحظة المناسبة، ومن يتأخر عن هذا السباق يجد نفسه خارج معادلة التأثير وربما خارج السلطة نفسها.

الأخطر في هذا المشهد لا يقتصر على تطوّر أدوات الحرب وحسب، وإنما في الرسالة السياسية التي ترافقه، حيث تمارس الولايات المتحدة نموذجاً صارخاً من الهيمنة، تتجاوز فيه القوانين الدولية، وتنتهك سيادة الدول، وتنفّذ عمليات عابرة للحدود من دون أي مساءلة، ثم تخرج لتعلن نجاحها وتفاخر به أمام العالم. إنها صورة مكشوفة لعنجهية القوة، حيث تتحوّل التكنولوجيا إلى أداة غطرسة، ويتم التباهي بخرق القانون الدولي.

فهل بتنا نعيش في عالم باتت فيه الشرعية تُصاغ على قياس الأقوياء، لا على أساس العدالة أو الحق؟

للأسف..نعم.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com