سوريا الى أين
لم يحتاج العدو الصهيونيّ أكثر من يوم ليعبر خط فصل القوات (المنطقة العازلة) مع سوريا، ويخرج نتنياهو من هناك ليتحدّث بسعادة عمّا سمّاه اليوم التاريخي الذي لم يحلم به الصهاينة منذ أكثر من نصف قرن. وخلال يومين من هروب الأسد أو التحفّظ عليه (لا فرق)، أنجز سلاح الجو الصهيوني أكبر هجوم في تاريخه على نحو 250 هدفاً، ونجح في تدمير: المطارات العسكرية وما فيها، مراكز البحوث العلمية، القواعد البحرية، مخازن الأسلحة الاستراتيجية ومصانع إنتاج الذخيرة؛ أو ما لخصته بيانات العدو بأنه «تدمير مقدرات الجيش السّوري»، وقد صدق في كلامه، إذا ما قارنّاه مع ما تنافس الإعلام الرخيص في وصفه بأنه «هجمات على مراكز تابعة للنظام البائد»!
احتلال جبل الشيخ والتوغّل إلى مشارف العاصمة دمشق، قابلهما مشهد الجموع المحتفلة في ساحة الأمويين، وفي خلفية المشهد منحت أعمدة الدخان المتصاعدة حول دمشق، نتيجة القصف الصهيوني، السورياليّةَ المنشودة.
ما وقع خلال العام الماضي لا ينفصل أبداً عن الأحداث الكبرى التي بدأت مع «طوفان الأقصى» كمفصل أول، تليه مجزرتا البيجر واللاسلكي واغتيال قادة المقاومة في لبنان، يتقدّمهم سماحة السيد الشهيد حسن نصرالله، كمفصل ثانٍ، وصولاً إلى اللحظة التاريخية في سوريا بوصفها المفصل الثالث.
ولكن سياق ما حصل يشبه لعبة تبادل الأدوار التي بدأت مع:
– صدور تقارير أواخر أيلول/سبتمبر 2024 عن تحركات مريبة ودعم استخباراتي غربي في الشمال والجنوب السوري، مترافقة مع بيان لما يسمّى «القوى الثوريّة في درعا»، عن بدء عمليات مفتوحة على كل حواجز النظام السابق ونقاطه العسكرية، متزامنة مع وقائع المفصل الثاني في لبنان.
– تحرّك الجولاني المسمّى «ردع العدوان» (أي عدوان قد ردع؟ «التمهيد للعدوان» تبدو مناسبة أكثر!) تزامن مع إعلان وقف إطلاق النار بين العدو والمقاومة في لبنان خلال معركة «أولي البأس».
– بداية التصعيد الصهيوني الهائل في سوريا بمجرد دخول «هيئة تحرير الشام» إلى دمشق.
وسط الجنون المستحكم، اشتغل الإعلام على كي الوعي بتحويل أبو محمد الجولاني إلى أحمد الشرع، وصولاً إلى القائد أحمد الشرع. وبينما انشغل الجمهور بهستيريا سجن صيدنايا (التي تبيّن زيف معظم ما نشِر عنها)، كان الإسرائيلي يقضم مزيداً من الجغرافيا السوريّة، متذرّعاً بحجج واهية، أبرزها حماية الأقليات، وهنا عادت لعبة تبادل الأدوار للصدارة من جديد، فالمجازر المرتكبة في الساحل والسويداء سمحت لدعاة الانفصال وأعوان العدو بأن يصبحوا جزءاً من المشهد.
لست أبالغ في القول إن كل هذا لم يكن ليحدث لولا أن القيادة السابقة اختارت ألا تقاتل، ليس في الشّهر الأخير قبيل الانهيار الدراماتيكي فحسب، إنما منذ لحظة «الطوفان»؛ لو فُتِحت جبهة الجولان لما حلم نتنياهو أن يقف هناك في اليوم التالي لسقوط النّظام، ولكان لقوى المقاومة في لبنان والعراق، وحرس الثورة في إيران، وفصائل المقاومة الفلسطينية العاملة في سوريا، امتداد بريّ وموطئ قدم يشكّل خاصرة رخوة لكيان الاحتلال من جهة، وعمقاً استراتيجيّاً لجبهة الإسناد في جنوب لبنان من جهة أخرى.
لكن النظام لم يكن وفيّاً لحلفائه الأقرب (إيران وحزب الله)، الذين دفعوا دماً كثيراً واغتيالات طالت كوادرهم خلال السنوات الماضية في سبيل تأسيس جبهة فاعلة في الجولان، ربما كانت ركناً في خطّة اقتحام الجليل.
انكفاء النظام السابق عن القتال بعد «الطوفان»، أضاع عليه ورقة ضغط رادعة يحمي بها نفسه بالدرجة الأولى. على العكس، قدّم للصهيونيّ إنجازاً عسكريّاً لم يحلم به، ولم ينجح في تحقيقه في أي جبهة قتال من غزّة إلى اليمن.
خرجت سوريا من المشهد الإقليمي بينما تتّجه الأمور فيها نحو الأسوأ، فالذين اجتمعوا على إسقاطها أمس، يجدون فيها اليوم ساحة للتوغّل ومدّ النفوذ والهيمنة. اللاعبون الإقليميون، رغم عدم اجتماعهم على هدف واحد، يتحسّسون جميعاً الخطر الصهيوني، وربما نجد بينهم قريباً صيغة تفاهم ما لإحباط مشاريع نتنياهو المنفلت من عقاله، إذ يدركون جيداً أن سوريا الموحدة ما تزال النقيض الطبيعي لوهم «إسرائيل الكبرى».
جولات التفاوض المباشر الخمس مع العدو الصهيوني لم تأتِ بجديد، ولماذا يقبل الصهيوني بأي تفاوض مع «القيادة» الجديدة في سوريا، وهو يملك حرّية العمل العسكري فيها كلّما أراد ذلك؟
بعد عام على سقوط سوريا، لم ينل حكّامها الجدد شرعيّة اجتماعيّة إلا في مساحة محصورة؛ فالمجازر والسلوك الطائفي يرسمان أبعاد المشهد الانفصالي في الساحل، ولا سيطرة فعليّة في الشمال الخاضع للأتراك، والشرق المنهوب للأميركان، والجنوب المحتل من قبل الصهاينة.
رغم كل الانبطاح والتنازلات المقدّمة، لم يغيّر رفع العقوبات من واقع الكارثة الاقتصادية التي يعيشها المواطن السوري: تحرير الأسعار، رفع أثمان السلع الأساسية بشكل جنوني، وانسحاب الدولة من أداء خدمات كثيرة كانت تقدّمها بشكل مجاني في السابق.
التفريط بانحيازات سوريا ومواقفها السابقة دون مقابل، جعل الجولاني يكرّر رمزيّة دخوله بالقميص العسكري إلى المسجد الأموي مرة أخرى. قبل عام وقف خطيباً بالناس يحدّثهم عن خطر إيران وحزب الله، ولكنه قد يجد نفسه مضطراً في الفترة القادمة إلى تغيير ذلك.
