
أثار البيان الصادر عن رئاسة الجمهورية اللبنانية استغرابًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية، بعد إعلان تكليف السفير السابق سيمون كرم، وهو شخصية مدنية، بترؤس الوفد اللبناني إلى اجتماع لجنة الميكانيزم في الناقورة.
ويشكّل هذا التعيين سابقة في تركيبة اللجنة التي كانت تعتمد طوال العام الماضي على وفد عسكري–تقني حصراً، وتُعنى بمراقبة تنفيذ وقف الأعمال العدائية، والتثبت من الخروقات، والتنسيق مع اليونيفيل جنوب الليطاني.
وتزامن هذا التحوّل مع انعقاد اجتماع اللجنة بحضور ممثلين عن لبنان، الكيان الإسرائيلي، الولايات المتحدة، فرنسا، وقوات اليونيفيل. ويرى مراقبون أن إدخال عنصر مدني يغيّر طبيعة اللجنة من إطار تقني–عسكري إلى إطار شبه سياسي قد يُفتَح من خلاله الباب أمام ترتيبات أوسع من مجرد المراقبة الميدانية.
تشير مصادر دبلوماسية إلى أن قرار إدخال ممثل مدني في الوفد اللبناني لم يكن خطوة تقنية فحسب، بل جاء نتيجة ضغوط أميركية مباشرة مارستها الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس، في سياق مسار تسعى واشنطن لتثبيته بين لبنان وإسرائيل.
وتضيف المصادر أنّ هذه الضغوط جاءت ضمن إجراءات أحادية الجانب تفرضها الإدارة الأميركية على بيروت، بهدف دفعها إلى التماشي مع رؤية أمنية–سياسية تُطمئن القيادة الإسرائيلية في هذه المرحلة الصعبة.
ففي الداخل الإسرائيلي، تتصاعد الأزمات السياسية والقضائية، خصوصًا بعد طلب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الإعفاء أو التأجيل في ملف محاكمته، وسط تصاعد الغضب الشعبي والانقسام الداخلي. هذا المشهد، وفق المصادر، خلق خشية أميركية من أن يلجأ نتنياهو إلى الهروب إلى الأمام عبر فتح معركة جديدة أو توسيع نطاق التوتر، ما يفرض على واشنطن محاولة إغلاق أي ثغرات أمنية على الحدود اللبنانية.
ومن هذا المنظور، تفسَّر الضغوط الأميركية على لبنان لتمرير ترتيبات أمنية – تفاوضية تُقدَّم على أنها تقنية، بينما هي عمليًا تصبّ في خدمة الاستقرار المطلوب إسرائيليًا في هذه اللحظة السياسية الحرجة داخل الكيان.
المصادر نفسها لا تستبعد أن تكون واشنطن تعمل على منع وقوع سيناريوهات أكثر خطورة، من بينها احتمال توسّع الاشتباكات لتشمل لبنان أو حتى فتح جبهة مع إيران، في حال سقطت الحكومة الإسرائيلية أو انهار التوازن الداخلي.
لذلك، يُنظر إلى لجنة الميكانيزم اليوم باعتبارها آلية احتواء دولية للحدّ من خطر الانفجار، ومحاولة للحفاظ على التهدئة حول الحدود الجنوبية.
لكن في المقابل، تبرز مخاوف لبنانية من أن يؤدي توسيع دور اللجنة إلى ضغط على السيادة الأمنية والعسكرية اللبنانية، أو إلى مسار تفاوضي غير معلن يتجاوز ما اتُّفق عليه في إطار وقف الأعمال العدائية.
ويبقى السؤال الأهم:
هل تقود هذه الترتيبات إلى مسار سياسي – دبلوماسي مستقر يحفظ الهدوء في الجنوب؟
أم أنّ المنطقة تتّجه إلى مرحلة توترات متصاعدة قد تفتح الباب أمام حرب أوسع، إذا فقدت الأطراف القدرة على ضبط الميدان واحتواء التحولات داخل إسرائيل؟