تقرير: مؤشّرات تسوية في أوكرانيا بين ضغوط واشنطن ومناورات موسكو

يبدو أنّ مسار الحرب في أوكرانيا يشهد في الأسابيع الأخيرة تحوّلات لافتة توحي بإمكانية فتح بابٍ لحلّ سياسي، ولو بشكل تدريجي. فالمشهد الدبلوماسي الدولي بدأ يُظهر إشارات مرونة لم تكن حاضرة في الأشهر الماضية

، فيما باتت الأطراف المعنية تستشعر محدودية القدرة على الاستمرار في حرب طويلة تستنزف الجميع، خصوصاً الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي اللذين يواجهان ضغوطاً اقتصادية وسياسية داخلية متعاظمة.

و تشير المعطيات إلى أنّ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي قد يجد نفسه أمام ضرورة التعامل بجدية أكبر مع مقترحات تسوية سبق أن طرح بعضها بنفسه على الإدارة الأميركية. إلا أنّ تلك المقترحات اصطدمت، في مراحل سابقة، بضغوط غربية دفعت باتجاه استمرار الحرب، في ظلّ رغبة واشنطن في استخدام النزاع كأداة لإضعاف روسيا وإعادة صياغة ميزان القوى الأوروبي.

لكن اللافت اليوم أنّ واشنطن بدأت تُظهر ليونة مدروسة في ما يتعلق بشروط التسوية، نتيجة إدراكها أنّ الحرب الطويلة لم تعد تخدم مصالحها الاستراتيجية، وتنعكس سلباً على الاستقرار الاقتصادي العالمي، وحركة التجارة الدولية، وأسعار الطاقة، والأسواق المالية.

ورغم المؤشرات الدولية، يبقى السؤال الأساسي: هل تتّجه روسيا فعلاً نحو مسار تفاوضي؟
داخل موسكو تفترق التقديرات بين من يرى ضرورة استثمار المكاسب الميدانية لفرض شروط متقدّمة، ومن يعتبر أنّ أي توقف الآن قد يفتح الباب أمام إعادة تسليح كييف بشكل أكبر، ما يجعل النتائج غير مضمونة في المستقبل.

ومع ذلك، تظهر إشارات بأن الكرملين يدرس إمكانية التعامل مع المبادرات المطروحة، خصوصاً بعد تثبيت خطوط تماس ميدانية تمنح روسيا أفضلية تفاوضية في بعض الجبهات الحساسة.

زيارة ويتكوف إلى روسيا: بحثٌ عن صيغ جديدة

في هذا السياق جاءت زيارة ويتيكوف إلى موسكو، والتي وُصفت بأنها جزء من جهود دبلوماسية غير معلنة تهدف إلى استكشاف حدود التسوية الممكنة.
وقد تردّدت معلومات عن بحث ملفات تشمل:

مقترحاً لوقف إطلاق نار قابل للتجديد،

ترتيبات أمنية تخصّ الشرق الأوكراني،

احتمالات تخفيف العقوبات تدريجياً،

وسبل إعادة إدماج روسيا في بعض المسارات الاقتصادية العالمية.

الزيارة بحدّ ذاتها تشكّل إشارة إلى أنّ الأطراف الأوروبية بدأت تدرك أنّ تجاهل موسكو لم يعد خياراً، وأن الحلّ يمرّ حتماً عبر التفاهم معها.

هجوم روسي جديد… لتثبيت مواقع قبل التفاوض

بالتزامن مع الحراك الدبلوماسي، شنّت القوات الروسية هجوماً ميدانياً جديداً على مواقع أوكرانية في المحاور الشرقية، في خطوة يرى مراقبون أنّها تهدف إلى:

تثبيت وقائع عسكرية قبل دخول أي عملية تفاوض،

تحسين شروط موسكو على الطاولة،

منع كييف من استعادة قدرات هجومية قد تستغلها لاحقاً إذا تم تعليق العمليات.

الهجوم، رغم محدوديته الموضعية، يعكس مقاربة روسية معروفة: التفاوض من موقع قوة، لا من موقع انتظار الضغوط.

و رغم أن الطريق نحو الحلّ في أوكرانيا ما يزال طويلاً، إلا أنّ التغيرات الدبلوماسية، ومرونة واشنطن، وزيارة ويتيكوف، والهجوم الروسي الأخير، جميعها تشير إلى أنّ الحرب بدأت تدخل مرحلة جديدة قد تكون مقدمة لتسوية، ولو تدريجية، تُرسم ملامحها في العواصم الكبرى أكثر مما تُرسم على الأرض

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com