
قبل أكثر من 150 عامًا، كتب دوستويفسكي هذه الجملة في رواية المقامر، ليصف اتجاهًا من المزاج الروسي، يتسم بالاندفاع، ولا يتقبل بسهولة الخطط الطويلة ويفضّل المواجهة المباشرة مع المصير.
كان دوستويفسكي يُعبّر، من خلال بطله ألكسي إيفانوفيتش، عن أن الروسي إذا تورّط في أمرٍ اندفع فيه حتى النهاية؛ لا يعرف أن يقف عند حدّ، فإذا لعب، فإمّا أن يربح كل شيء، أو يخسر كل شيء.
هذا المزاج الذي صوره دوستويفسكي على طاولة القمار قد يكون مبالغة أدبية في وصف الشخصية الروسية في عمومها، لكن هناك من المحللين من رصد صدى من هذا الاندفاع في سلوك الدولة الروسية عبر القرون، من إقدام القياصرة في حروبهم الكبرى، إلى رهانات الاتحاد السوفياتي مع ألمانيا النازية، ثم في لحظات الذروة أثناء الحرب الباردة، وصولا إلى أخطر مقامرة نووية شهدها القرن العشرون خلال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962.
واليوم، يقف العالم مرة أخرى على أطراف أصابعه، وسط ظلال كييف التي تذكّر بنخيل كوبا، رمز العمى الإستراتيجي الذي أوشك أن يقود سابقًا نحو الكارثة. فخطر اليوم لا يكمن فقط في الأسلحة، بل في منطق المقامرة ذاته: الثقة المبالغ بها، الإيمان بأن الخصم سيستسلم، الاعتقاد بأن الانسحاب ضعف، وأن التراجع علامة انكسار تاريخي لا يمكن السماح به.
لكن التراجع الروسي الروسي في أزمة الصواريخ الكوبية يخبرنا عن حقيقة مهمة حول ذلك الميل الروسي للمغامرة، وهي أن القوة الروسية المندفعة، كثيرا ما تؤوب إلى الرشد حين ترى أن المخاطرة قد تؤدي بها إلى المجهول، وهو ما يجعل نزعة المغامرة الروسية ممزوجة بحس إستراتيجي واضح ربما لا يظهر للوهلة الأولى.
صحيح أن الكثير من الإستراتيجيين، خاصة في الغرب، يؤمنون أن المزاج “الاندفاعي” الروسي يمكن أن يكون وصفة جيدة للهاوية، لكن موسكو من جانبها ذاقت ثمار المخاطرة في غير ما مناسبة، ورسّخت في عقيدتها السياسية والعسكرية أن بإمكانها أن تحوز موقعًا أفضل في العالم طالما اعتقد خصومها أن بإمكانها عبور الحدود التي قد لا يتجرؤون هم أنفسهم على عبورها.
هذه الديناميكية البيروقراطية يبدو أنها تتكرر اليوم في طريقة صنع القرار الروسي في الحرب على أوكرانيا، حسبما يورد كل من أندريا شلال، كبيرة مراسلي وكالة رويترز، وستيف هولاند، المراسل في الوكالة ذاتها. فآلية “نفّذ أولًا، ثم اعترض إن استطعت”، لا تزال تحكم السلوك المؤسسي في موسكو، سواء في قرار إعلان الحرب الذي اتُّخذ عام 2022 داخل حلقة ضيقة في الكرملين دون نقاش مؤسسي حقيقي، أو في التقارير الاستخبارية والعسكرية المضلِّلة التي رُفعت إلى بوتين وصوّرت الحرب على أنها “عملية خاطفة” يسهل حسمها خلال أيام.
وأبعد من ذلك، فعلى مستوى التفاصيل التنفيذية، تتشابه مقامرتا خروتشوف وبوتين في اعتمادهما على ستار كثيف من السرية والخداع العسكري، حتى اتجاه قواتهما نفسها. ففي عام 1962، أوهمت موسكو معظم الجنود والضباط بأنهم متوجهون إلى مناورة تدريبية تحمل اسم “مناورة أنادير”، ومُنع كثير من قادة الوحدات من معرفة الوجهة الحقيقية للسفن والطائرات إلا عند الوصول.
وبصورة تكاد تتطابق، حشد بوتين قبيل الحرب على أوكرانيا أكثر من 150 ألف جندي تحت لافتة التدريبات، ثم تبيّن لاحقًا، بحسب دبلوماسيين أوروبيين وتقارير غربية، أن عددًا كبيرًا من الجنود لم يُبلَّغ بقرار الحرب إلا في اللحظة الأخيرة، بل اعتقد بعضهم فعلًا أنهم في مناورة حتى وجدوا أنفسهم وسط القتال. وقد طُلب من المجندين الروس توقيع تمديد لخدمتهم قبل العملية مباشرة دون تفسير، ليدركوا عند اندلاع الهجوم أنهم جزء من غزو حقيقي لا مناورة عابرة.
ويشير المؤرخ الروسي ألكسندر فورسينكو، في كتابه “مقامرة جهنمية: خروتشوف وكاسترو وكينيدي”، إلى أن هذا النمط المتكرر من “كذبة المناورات” كما يصفها، يمثل آلية تلجأ إليها الأنظمة الشديدة المركزية لتمرير قرارات كبرى دون مصارحة حتى مؤسساتها العسكرية، ممّا أوجَد فجوة خطيرة بين واقع الميدان وصورة الأمور في ذهن القيادة.
كما تجلّى في الحالتين ميل واضح لتغليب الولاء على الكفاءة داخل الدائرة العليا للقرار، حيث اعتمد خروتشوف على شخصيات من الحرس القديم، مثل ماتفي زاخاروف، ولم يُشرك أصواتًا نقدية ربما كانت ستلفت نظره مبكرًا إلى حجم الأخطار.
وكذلك، يلفت دينيس فولكوف، عالم الاجتماع الروسي ومدير مركز ليفادا في موسكو، إلى أن بوتين أمضى سنوات في تحييد أي صوت معترض داخل المؤسسات الأمنية، معتمدًا بصورة شبه مطلقة على وزير دفاعه السابق سيرغي شويغو، المُقرّب منه، الذي اعتاد أن يقضي معه العطلات بانتظام في الغابات والجبال في منطقة توفا.
ورغم تولّيه قيادة الجيش لأكثر من عقد كامل، فلم يكن لشويغو خلفية عسكرية، ولم يمتلك أي تدريب عسكري احترافي أصلًا، فهو مهندس مدني شقّ مسيرته البيروقراطية عبر وزارة الطوارئ، قبل أن يهبط مباشرة إلى منصب وزير الدفاع بقرار سياسي، لا بخبرة مهنية. وتشير تقارير إلى أن شويغو نفسه قدّم لبوتين صورًا مخففة عن حجم الخسائر حفاظًا على “انطباع النجاح”، مما أدى إلى تأخر القرارات الروسية في تعبئة الاحتياط وإعادة تموضع الوحدات.
وكذلك، يبدو أن بوتين يتبنّى ذهنية مقامرة مشابهة في إدارة الصراع. فبحسب داريل كيمبال، المدير التنفيذي لجمعية الحدّ من التسلح، لجأ بوتين منذ الأيام الأولى لحربه على أوكرانيا إلى التلويح المتكرر بالتصعيد النووي، مقدّمًا ذلك كأعلى أوراق الردع في وجه الغرب، في رسالة مفادها أن موسكو مستعدة لقلب الطاولة إذا اقترب النزاع من خطوطها الحمراء.
من المؤكد أن الروس يغامرون أكثر من خصومهم وأن النزعات الفردية والأزمات المؤسسية كثيرا ما تنعكس على القرار الروسي، لكن موسكو -عبر التاريخ- وجدت سبيلا لدمج هذا الميل نحو المغامرة في عقيدتها الأمنية، بل إنها كانت مجبرة على ذلك في كثير من الأحيان.
في جوهر الثقافة الإستراتيجية الروسية، يكمن ما يصفه الباحثون بـ”متلازمة القلعة المحاصرة”، وهو تصور بأن روسيا مُحاطة دائمًا بقوى خارجية معادية تسعى لإضعافها أو تدميرها. وتنبع هذه النظرة العالمية من الغزوات التاريخية عبر الحدود الجغرافية الهشة لروسيا، من المغول إلى نابليون إلى هتلر.
تفتقر الأراضي الروسية الشاسعة إلى حواجز دفاعية طبيعية بين قلب أوروبا وجبال الأورال، مما دفع القادة الروس عبر التاريخ إلى إعطاء الأولوية للعمق الإستراتيجي والمناطق العازلة كوسيلة للحماية.
الأهم من ذلك أن العقيدة العسكرية الروسية دمجت المخاطرة كأداة إستراتيجية من خلال مفهومي “إدارة التصعيد” و”الردع بإثارة الخوف”. ويرى الفكر الإستراتيجي الروسي أن الردع يتم من خلال “إجراءات استعراضية” ترمي إلى إقناع الخصوم أن روسيا مستعدة دائما للتصعيد والذهاب إلى نقطة أبعد مما يعتقدون.
ما يتجاهله المحللون الغربيون في كثير من الأحيان أيضا أن نزعات المغامرة الروسية كثيرا ما أتت بثمار واضحة. ففي عام 2008، تدخلت موسكو عسكريا في جورجيا مستغلا الانشغال الغربي، وحققت نجاحًا تكتيكيًا سريعًا، وواجهت عواقب دولية ضئيلة، بينما حققت أهدافها الجيوسياسية في الحفاظ على نفوذها في محيطها. وقتها، قيّم المحللون الروس الأمر بدقة، مشيرين إلى أن التدخل لن يُشعل صراعًا بين القوى العظمى، وأن الرد الدولي سيكون محدودًا.
كما عكس التدخل الروسي في سوريا عام 2015 حسابات دقيقة للمخاطرة، فقد نشرت روسيا قوة جوية كافية لمنع انهيار الأسد، وأمنّت قواعد بحرية وجوية في البحر الأبيض المتوسط، مراهنة أن الغرب لن يتدخل بشكل مباشر للإطاحة بالنظام وردع روسيا. في نهاية المطاف، كان نظام الأسد أكثر هشاشة من أن تنقذه موسكو على المدى الطويل، لكن ذلك لا يعني أن الحسابات الروسية كانت خاطئة كليا.
يعد تعريف روسيا لنفسها كقوة عظمى وسعيها للتصرف على هذا الأساس، جنبا إلى جنب مع إدراكها لتراجع نفوذها مقارنةً بالغرب، أحد المحفزات الأساسية لسلوكها المغامر. ينبع هذا التصور الذاتي من تاريخ روسيا الإمبراطوري، ومساحتها الشاسعة، وترسانتها النووية، ومكانها كوريث للاتحاد السوفياتي.
يتجاوز طموح روسيا السعي إلى المكانة ليشمل تحدي النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة نفسه. يُؤطّر بوتين تصرفات روسيا كجزء من “صراع أوسع نطاقًا” من أجل ما يُطلق عليه “نظامًا دوليًا أكثر عدلا وشمولا”، حيث يجب أن تُفسح الهيمنة الغربية المجال “لعالم متعدد الأقطاب”. تُبرّر هذه الرؤية قبول مخاطر جسيمة إذا تبيَّن أن مكانة روسيا العالمية معرضة للخطر، يشمل ذلك التلويح المستمر بالورقة النووية، عندما تضيق الخيارات.
المتابع للخطاب الروسي منذ حرب أوكرانيا يمكن أن يلاحظ أن تصريحات المسؤولين الروس تلمس عمدا حاجز “المحرّم النووي” الصامد منذ عقود. بل إن بوتين نفسه أدلى بتصريح لافت عام 2018، حين تساءل: “لماذا نحتاج إلى عالم بلا روسيا؟”، مضيفًا أن الروس في حرب نووية سيذهبون إلى الجنة كشهداء، بينما “أعداؤنا سيموتون بلا وقت حتى ليتوبوا”. وهو ما يعكس ذروة نزعة المغامرة الروسية: وهي التلويح بأن فناء العالم قد يكون خيارًا مقبولًا، إذا كان البديل هو هزيمة روسيا.
من أحد الأوجه، يمكن تفسير مثل هذه التصريحات على أنها نوع من المغامرات الخطابية القصوى التي تهدف إلى إرباك الخصوم وإخفاء نوايا موسكو الحقيقية. ولكن من ناحية أخرى، عندما يتفاقم التهديد بإمكان الخيارات الأخرى جميعا أن تنهار. عند هذه النقطة تحديدا يتقلص المنطق الجيوسياسي الروسي من أيديولوجيا عالمية تدفع خططا تنطوي على مغامرات محسوبة إلى تمسك متشبث بالبقاء، وإلا فلتحل الكارثة على الجميع.
في الغرب، يتأرجح تفسير التصريحات الروسية بين هذه النقيضين. فهناك من يجزم بأن بوتين لن يفعلها أبدًا لأنه يدرك العواقب، وقد عبّر مسؤولون أميركيون في عام 2023 عن اعتقادهم بعدم وجود مؤشرات على نية روسية لاستخدام النووي، وأن ما يَصدر عن الكرملين مجرد “تهويش” سياسي لا أكثر.
يخشى البعض أن يتورط بوتين في نسخة جديدة من فخّ خروتشوف، لكن دون منفذ للخروج. ففي أزمة كوبا، كان خروتشوف قادرًا على التراجع لأنه أبقى باب المقايضة الخلفية مفتوحًا، عبر صفقات سرية مثل سحب الصواريخ الأميركية من تركيا. حتى الآن، يبدو أن بوتين لا يزال يحافظ على هذا الباب مواربا أيضا، لكن تظل المخاوف قائمة من أن تتطور المواجهة في وقت ما إلى سيناريو يدفع الجميع نحو فخّ خروتشوف جديد، ولكن هذه المرة بلا باب خلفي، وبلا مخرج