
المسائية – خاص مركز بيروت للأخبار
يتجدّد في المشهد اللبناني مشهد لجوء بعض القوى السياسية إلى العواصم الدولية، من واشنطن إلى باريس وغيرها، لعرض الشكاوى وطلب الدعم، في رهان واضح على تغيّرات جيوسياسية قد تُحدث انقلابًا في السلطة الداخلية. هذا المسار المتكرر يتعارض مع الإجماع الذي يعبّر عنه أركان الدولة، من رئيس الجمهورية إلى مختلف القيادات الوطنية، بأنّ المرحلة الراهنة هي مرحلة الوحدة الوطنية والتشاور الداخلي وليست زمن تدويل الأزمة أو انتظار الحلول من وراء البحار.
التجربة اللبنانية، عبر مراحلها المختلفة، أثبتت أنّ القرار الوطني لا يُصنع في الخارج، وأنّ أي تدخل خارجي في لحظات سياسية حساسة كان يؤدي دومًا إلى اهتزازات داخلية وفتن وزعزعة للاستقرار. وفي هذا السياق، يلتقي كلام وليد جنبلاط مع موقف رئيس الجمهورية في الدعوة للعودة إلى الداخل والاحتكام إليه، باعتبار أنّ الزعامة الوطنية الحقيقية تُبنى على التفاهم مع الشركاء في الوطن لا على الاستقواء بالعواصم البعيدة.
وفي ضوء المواقف الأخيرة لرئيس مجلس النواب نبيه برّي، جاءت تصريحاته حاملة رسائل متعددة الاتجاهات. فعلى المستوى الدولي، أعاد برّي تسليط الضوء على الخروقات الإسرائيلية المستمرة للقرار 1701 ولآليات وقف إطلاق النار الموقّعة في 27 تشرين الأول 2024، مؤكدًا أنّ إسرائيل لا تحترم أي التزام، واضعًا المجتمع الدولي أمام مسؤولياته في كشف هذه الخروقات ومحاسبتها.
إقليميًا، وجّه برّي رسالة إيجابية باتجاه المملكة العربية السعودية، مشددًا على أنّ العلاقة معها لم تنقطع يومًا، ومباركًا الانفتاح السعودي الأخير، ولا سيما مع إعلان الرياض عودة النشاط التجاري إلى مساره الطبيعي وتصريحات سفيرها بأنّ “الخير آتٍ إلى لبنان”.
أما داخليًا، فدعا رئيس المجلس إلى تعزيز الوحدة بين اللبنانيين والتعامل بجدية مع ملف الودائع، الذي وصفه بأنّه ملف “مقدس” وكرر العبارة ثلاث مرات، في تأكيد على حساسيته وأولويته. وفي ما يتعلق بقانون الانتخاب، أوضح برّي أنّ مشروع القانون المعجّل المكرّر لم يصله بعد، ملمحًا إلى أنّ استعجال البعض لا يعني تجاوز الأصول، وأنّ المشروع—بحسب المؤشرات—متجه على الأرجح نحو اللجان المختصة لدرسه قبل أي طرح على الهيئة العامة.
بهذه الرسائل المتعددة، يبدو المشهد السياسي أمام معادلة واضحة: لا تغيير من الخارج، ولا إنقاذ بلا وحدة داخلية، في لحظة لبنانية دقيقة تتطلّب العودة إلى منطق الدولة والمؤسسات والحوار الوطني بدل الرهانات البعيدة.