
معركة واحدة تغير وجه السودان: كيف سقطت الفاشر وما الذي يعنيه سقوطها ميدانيًّا وسياسيًّا؟
ربما فوجئ البعض بمشهد سقوط الفاشر ولكن الواقع أن اجتياح الدعم السريع للمدينة تم بالتدريج وبمعارك متتابعة على مدار عام ونصف تحولت فيه المدينة إلى نقطة اشتباك ساخنة خاصة بعد أن استعاد الجيش السوداني الخرطوم وولايات الشرق والوسط في مارس/آذار الماضي لتصبح معركة الفاشر محورية وفاصلة لطرفي الصراع.
إذ كثف بعدها الدعم السريع هجماته عبر محاور متعددة واستخدم فيها مختلف الأسلحة من مسيّرات ومدفعية وهجوم بري مدعوم بمركبات مدرعة إضافة إلى حصار خانق استخدم فيه سلاح التجويع وعزل المدينة تمامًا عبر بناء حواجز ترابية بطول 57 كيلومترا حولها، إلى أن استطاعت عناصره الدخول إلى أحياء المدينة وسيطرت على مناطق حاكمة وإستراتيجية أو حاصرتها مثل المطار ومقار المكونات العسكرية وعلى رأسها الفرقة السادسة مشاة الحامية الإستراتيجية الرئيسية، وعندما أصبح من المستحيل البقاء اتُّخذ قرار الانسحاب وهو ما أكده البرهان في بيانه المتلفز.
وهو ما تعززه فيديوهات الدعم السريع حيث إنه في معارك سابقة، دأبت قوات الدعم السريع على تصوير مخازن الأسلحة والذخيرة التي استولت عليها كغنائم حرب.
إلا أنها هذه المرة لم تُظهر أي لقطات من هذا القبيل، مما يشير إلى أن بعض وحدات القوات المسلحة السودانية المنسحبة قد نقلت معداتها بطريقة منسقة، وهو ما يعززه تصريح مصادر عسكرية للشرق بلومبرغ بأن الوحدات التابعة للقوات المسلحة التي كانت بالفاشر انسحبت جميعها إلى منطقة طويلة بجبل مرة والحدود الشمالية مع تشاد، هذه الرواية أكدها تحقيق مرصد حرب السودان الذي أوضح أن القوات المنسحبة أعادت تنظيم صفوفها في بلدة كورنوي الواقعة على بعد نحو 200 كيلومتر شمال غرب الفاشر وفي بلدة الطينة الحدودية مع تشاد قبل يومين من السقوط. ولكن مشهد الانسحاب يفتح الباب واسعا نحو التساؤل حول فاعليته أو حول الترتيبات التي كان من المفترض أن تُتَّخذ لحماية المدنيين.
أما عن مسببات السقوط فيمكن إرجاعها إلى أنه من طرف معسكر الجيش والقوات المتحالفة معه لم يتم استغلال تحرير الخرطوم وولايات الشرق والوسط قبل 6 أشهر وما صاحبه من صدمة وعدم اتزان لدى الدعم السريع لتحقيق تقدم نحو الفاشر أو على الأقل تأمين خطوط إمداد فعالة ومتصلة إلى المدينة مما أدى إلى تدهور ميداني لوجيستي وضعف خطوط الإمداد والاكتفاء بتقدم تدريجي حذر نحو وسط كردفان.
ربما كان الرهان هو أن الإسقاط الجوي للإمداد سيمكن المدينة من الصمود -وهو ما نجح الدعم السريع في تحييده لاحقا- حتى يتم تحرك كتلة صلبة من قوات الجيش والقوات المساندة من الشرق إلى الغرب بدلا من القيام بمناورة فيها مجازفة بالانطلاق إلى الفاشر دون تأمين كردفان مما يسمح للدعم السريع بالالتفاف.
أما الخطاب السياسي فغلب عليه الحديث عن إعادة إعمار الخرطوم والمناطق المحررة مما أدى إلى ضعف التحشيد المعنوي، والشعور بأن الحرب انتهت بسبب طغيان مركزية وفرحة تحرير العاصمة إضافة إلى حدوث شقوق في تماسك الجبهة الداخلية الداعمة للجيش خصوصا بعد تصاعد الحديث عن السلام الذي يلاحظ أنه كلما كثر الحديث عنه حدثت انتكاسة ميدانية مثلما حدث وقت السيطرة على ود مدني قبل أن يتم تحريرها، ذلك لأن الجيش حشد كل معسكره خلف هدف إستراتيجي صفري واحد وهو اقتلاع الدعم السريع بالقوة العسكرية فقط.
على الجانب المقابل فالفاشر تقع في المجال العملياتي ومنطقة النفوذ العسكري للدعم السريع بدارفور حيث يقع مركز ثقل قواته الإستراتيجي وبنيتها العسكرية الصلبة، وقد سيطرت على 4 ولايات منها من أصل 5 في أول أيام الحرب وخطوط إمدادها متصلة داخليا وخارجيا عبر تشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى، واستغلت البطء والتراخي من جانب الجيش في تدعيم صفوفه بالسلاح والقوة البشرية، ووصلت تعبئتها لمرتزقة جدد إلى تجنيد مرتزقة من كولومبيا، وحصلت على إمداد لوجيستي كبير.
هذا الدعم والإمداد كانا حاسمين وقد اختصر ذلك الباحث الأول في برنامج أفريقيا في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية وضابط الاستخبارات والدبلوماسي الأميركي السابق كاميرون هودسون في عبارة بسيطة قائلا “إنه لولا هذا الدعم لانتهت الحرب”. كما نجحت قوات الدعم السريع عبر هذا الإمداد النوعي في تحييد سيطرة الجيش السوداني على السماء وفرض معادلة جوية جديدة عبر إطلاقها مسيّرات إستراتيجية عمدت من خلالها إلى حرب استنزاف استهدفت خلالها تمركزات الجيش والبنية التحتية المدنية السودانية عبر الوصول لأهداف حيوية في عمق مناطق سيطرة الجيش مثل ميناء بورتسودان ومحطات كهرباء سد مروي ومطار الخرطوم بهدف إرباك حسابات قيادة الجيش وطرح شكوك حول قدرته على فرض السيادة حتى في المناطق التي حررها.
إن سقوط الفاشر ومالها من رمزية تاريخية في السودان له تبعات سياسية وميدانية عميقة، سياسيا بالسيطرة على الفاشر تمكنت قوات الدعم السريع من السيطرة على جميع عواصم ولايات دارفور الخمس وهي مساحة جغرافية شاسعة تمثل ضعف سوريا وتماثل فرنسا أو إسبانيا، وفرضت سلطتها بشكل كامل على الإقليم الذي يعد الحاضنة القبلية لقوات الدعم السريع كما تمثل المدينة عنصر قوة في سعيها لإضفاء الشرعية على “حكومة السلام والوحدة” التي شكلتها في يوليو/تموز الماضي وجعلت لها عاصمة مؤقتة في نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور، فقوات الدعم السريع تدرك تماما ووفقا لأمثلة عديدة في العالم أن عدم الاعتراف الدولي والرسمي الذي يعقبه تبادل سفراء لا يعني عدم التعامل الفعلي والتعاطي سياسيا وأمنيا واقتصاديا مع من يفرض السيطرة بالأمر الواقع على الأرض التي شكلتها مؤخرًا.
في المقابل يضع السقوط ضغطا سياسيا على بورتسودان خصوصا في إطار إعادة ترتيب تحالفاتها الداخلية وإعادة النظر في علاقاتها الخارجية وانفتاحها نحو التفاوض الذي اكتسب زخما مؤخرا، فالسيطرة على الفاشر تعني أنه على أرض الواقع هناك حقيقة جديدة وأن السودان الآن منقسم فعليًّا إلى نصفين متنافسين وتضيف تعقيدا على المشهد التفاوضي مع أفضلية للدعم السريع.
أما ميدانيا فهذا التطور انتصار لمشروع الدعم السريع، وهو يتحرك بالحرب إلى مربع جديد كليا لم يتم اختباره من قبل، ويقدم دفعة معنوية هائلة لقوات حميدتي تنذر بعودتها لتمسك زمام الأمور، فالآن تبدلت الخريطة العسكرية للطرفين المتحاربين في السودان بسيطرة قوات حميدتي على المنطقة الممتدة من المثلث على حدود السودان مع ليبيا ومصر مرورا بالمالحة حتى “أم دافوق” في جنوب دارفور على الحدود مع دولة جنوب السودان إلى جانب معظم مناطق جنوب وغرب كردفان.
ومع السيطرة شبه الكاملة لقوات الدعم السريع على إقليم دارفور ووجود دوافع لإكمال هياكل “الحكومة الموازية” تسعى هذه القوات إلى نقل القتال داخل مناطق تمركزات الجيش السوداني في إقليم كردفان. ونقل نشطاء مدنيون من إقليم كردفان لشبكة عاين المحلية، تحريك قطع حربية وحشود عسكرية في جنوب وغرب كردفان لقوات الحركة الشعبية برئاسة عبد العزيز الحلو وقوات حميدتي لشن هجمات على الجيش السوداني في ثلاث مدن رئيسية تشمل كادوقلي والدلنج والأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان.
وقد حدث بالفعل تمدد للدعم السريع بالتزامن مع السيطرة على الفاشر وأعاد السيطرة على مدينة بارا الإستراتيجية شمال الأبيض الواقعة على طريق الصادرات الإستراتيجي الرابط بين الخرطوم العاصمة وشمال كردفان.
أما على الطرف الآخر فقد نشرت صحيفة سودان تريبيون أن هيئة الأركان بالجيش أرسلت مجموعة من كبار القادة العسكريين إلى غرفة العمليات المركزية في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان. وقالت مصادر عسكرية للصحيفة إن قادة العمليات في هيئة الأركان انتقلوا إلى الأبيض فيما يبدو أنه تغيير جديد في خطة إدارة الحرب. كما أعلنت اللجنة العليا للاستنفار، التعبئة العامة في جميع ولايات السودان وبدء تجهيز معسكرات التدريب والتسليح في كل ربوع البلاد.
هذه الحرب تدار من خلال آليات معقدة، تعتمد على تشكيل تحالفات متبدلة وسريعة التغير، وتنفيذ عمليات عسكرية نوعية ومباغتة، تعتمد بشكل أساسي على التفوق في عنصري الحركة والمرونة، وعلى قدرة جمع وتحليل المعلومات الاستخبارية. هذا التفوق في الحركة والمعلومات أصبح أكثر أهمية وتأثيرًا من التفوق التقليدي الذي توفره حيازة السلاح الثقيل.
وعلى الرغم من التقدم الذي أحرزته قوات الدعم السريع وسيطرتها على الفاشر التي تعدّ مدينة إستراتيجية، فإنه من الخطأ استنتاج أن هذا التطور يمثل نهاية لقدرة الجيش السوداني على الاستمرار في الصراع. فالجيش لا يزال يمتلك حتى الآن القدرة النارية الثقيلة الكافية لإحداث فرق في الميدان. والأهم من ذلك، أنه يمتلك شبكة من التحالفات الميدانية المعقدة، التي تشمل القوات المشتركة من الحركات المسلحة التي كانت قد وقعت اتفاق جوبا للسلام والتي تعد دارفور قاعدتها القلبية الأساسية.
إذن يمكن القول إنه بعد سقوط الفاشر تعقدت الخريطة الميدانية والسياسية في السودان وامتدت التبعات إلى خارج السودان كذلك وهو ما سنناقشه في المحور التالي.
ومن نظرة أولية على المواقف الدولية من تطورات الحرب الجارية يمكن ملاحظة وجود إجماع مبدئي على وحدة السودان وسلامة أراضيه وهو موقف يتماشى مع القانون الدولي ويستند إلى تجارب سابقة فاشلة للتقسيم كما حدث في جنوب السودان أو لإعادة الهندسة الخارجية كما في الصومال. بناء على ذلك ينظر إلى بقاء السودان موحدا بوصفه عامل استقرار للنظامين الإقليمي والدولي وضمانا لمصالح القوى المتداخلة في أزمته، وفيما يلي تحليل لأبرز الأطراف الإقليمية والدولية ومواقفها من المشهد السوداني.
تعد مصر المتضرر الأكبر من تصاعد التوتر في السودان وموقفها من أعقد المواقف الإقليمية، إذ يظل الشأن السوداني شأنا مصريا والعكس صحيح، بحكم الجغرافيا والتاريخ وتشابك المصالح. وقد عكست الزيارة العاجلة لوزير الخارجية السوداني للقاهرة عقب سقوط الفاشر هذا الإدراك المشترك لحساسية اللحظة، بجانب الضغط الاقتصادي الناجم عن تدفق اللاجئين تمثل احتمالات انهيار الدولة السودانية أو انقسامها تهديدا إستراتيجيا مباشرا للأمن القومي المصري، سواء على مستوى الأمن المائي المرتبط بمجرى النيل، أو أمن البحر الأحمر أو حتى الأمن الداخلي.
تتضافر هذه التهديدات مع التوترات على المحور الشرقي حيث الإجرام الإسرائيلي المستمر والهشاشة الليبية غربا، وتصاعد النشاط الحركات المسلحة في الساحل الأفريقي بزعامة تنظيم “نصرة الإسلام والمسلمين”، وفي القرن الأفريقي بفضل تنظيم الشباب المجاهدين وكلاهما ينتميلتنظيم داعش فضلًا عن وجود متنامٍ لتنظيم الدولة في كلا المنطقتين بما ينذر باحتمالات تمدد هذه الظاهرة وتشكُّل طبقة جديدة من التعقيدات التي تواجه السياسة المصرية في محيطها الأفريقي.
وتأتي هذه التطورات بينما تسعى القاهرة إلى استعادة نفوذها في حوض النيل والقرن الأفريقي بعد سنوات من الغياب، نتج عنها تراجع الدور المصري في ملف سد النهضة وظهور مساع إثيوبية متكررة للوصول إلى منفذ إستراتيجي على البحر الأحمر وتقويض ترتيبات تقاسم مياه النيل التاريخية عبر الدفع باتفاقية عنتيبي.
ومن زاوية أوسع، فإن الاضطراب في السودان يعتبر تطورا إيجابيا لصالح “نظرية شدّ الأطراف” التي صاغها دافيد بن غوريون -أول رئيس وزراء لإسرائيل- في خمسينيات القرن الماضي، القائمة على إضعاف دول الطوق العربي لإسرائيل عبر تطويقها بعلاقات متينة مع دول غير عربية، وذلك بالانتقال إلى آلية إضافية تتمثل بإشعال بؤر توتر وإزعاج على الحدود المباشرة لتلك الدول.
ومن هذا المنظور، فإن سقوط الفاشر يحمل دلالات إستراتيجية أعمق: فالموقع الجغرافي للمدينة، عند تماس تشاد وأفريقيا الوسطى وسيطرة الدعم السريع على مثلث العوينات الحدودي الرابط بين السودان ومصر وليبيا، يجعلها بوابة محتملة لتدفق السلاح والمرتزقة نحو الحدود الغربية والجنوبية الغربية لمصر.
ومع اتساع النفوذ العسكري واللوجستي لقوات الدعم السريع، تتزايد المخاوف المصرية من احتمالية تمدد قوى إقليمية منافسة، بما يحدث اختلالا في التوازنات الأمنية والجيوسياسية ويهدد الأمن القومي المصري بشكل مباشر.
ورغم تمسك القاهرة حتى الآن بسياسة الحذر المعلنة مع تأييد وحدة وسلامة أراضي السودان ومؤسسات الدولة المتمثلة في الجيش السوداني ورفض أي كيانات موازية في مقاربتها للأزمة، فإن سقوط الفاشر يدفعها إلى إعادة تقييم خياراتها الإستراتيجية خصوصا في ظل عضويتها في اللجنة الرباعية المعنية بالملف السوداني، وهكذا تجد مصر نفسها أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على دور الوسيط التقليدي في الأزمة السودانية دون الانزلاق إلى مواجهة مكلفة وفي الوقت ذاته تأمين حدودها الجنوبية ومنع تسلل الفوضى أو الجماعات المسلحة عبرها.
وإذا ما تمكنت قوات الدعم السريع من تطوير موقعها الميداني والتقدم شرقا نحو المثلث الحدودي بين إثيوبيا وإريتريا والسودان، فستجد أسمرا نفسها بين فكي كماشة: من الشرق البحر الأحمر، ومن الغرب والجنوب تمدد التحالف الإثيوبي العفري مع الدعم السريع، لهذا تبنت أسمرا موقفا مساندًا للجيش السوداني، بوصفه الحاجز الطبيعي أمام هذا التمدد، وذهبت في دعمها إلى حد فتح أراضيها لتدريب متطوعين سودانيين في مؤشر على عمق القلق الإريتري من أي اختلال جديد في ميزان القوى على حدودها الغربية.
كما أن استمرار الاضطراب في السودان يضعف الموقف المصري في ملف مياه النيل، نظرا إلى ما يمثله السودان من عمق تفاوضي وإسناد إستراتيجي للقاهرة في مواجهة إثيوبيا، بهذه الحسابات يبدو أن أديس أبابا تفضل إطالة أمد الأزمة السودانية دون حسم نهائي، ريثما تعيد رسم موازين القوى في محيطها الحدودي والنهري على نحو يخدم طموحاتها البحرية والسياسية معا.
أما دولة جنوب السودان فقد تضررت بشدة من الحرب رغم تمسكها بالحياد. وتشعل المسائل المتعلقة بمواطني البلدين المنتشرين في أراضي كل منهما التوتر بين بورتسودان وجوبا بين الحين والآخر. ومع هشاشة الوضع السياسي الداخلي في جنوب السودان يتعمق الضرر الاقتصادي إذ يعتمد اقتصاد جوبا على النفط الذي يتوقف تصديره مع كل انقطاعٍ لخط الأنابيب الوحيد الذي يربطها بالعالم بفعل الصراع في السودان.
أما على المستوى الإقليمي، فهناك دول ترتبط مصالحها المباشرة بأمن البحر الأحمر واستقرار القرن الأفريقي مثل تركيا والسعودية وقطر، تدرك أن تقسيم السودان أو انهياره سيخلق فراغا إستراتيجيا يهدد استثماراتها وممراتها البحرية ويقوض مشاريعها في المنطقة، لذلك تتبنى هذه الدول موقفا داعما لوحدة السودان وحل سياسي يبقي على تماسك الدولة دون الإضرار بتوازناتها الإقليمية.
وعلى الصعيد العالمي، نشطت واشنطن دبلوماسيًّا ضمن الرباعية، واستضافت قبل ساعات من سقوط الفاشر وفدا حكوميا سودانيا رسميا ضم وزير الخارجية ونائب مدير المخابرات ومدير الاستخبارات العسكرية، ونقلت سودان تريبيون أن الوفد تلقى مقترحا أميركيا لإنهاء الحرب يشمل ترتيبات فنية بشأن قوات الدعم السريع، تقوم على دمج القوات السابقة للحرب فقط ضمن منظومة جيش موحد وتسريح باقي عناصر الدعم السريع، ويعكس ذلك مقاربة واشنطن الأوسع في عهد ترامب، القائمة على تبريد الأجواء وتقليص الانخراط المباشر مع الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية، فاهتمامها بالسودان يتركز أساسا على تأمين البحر الأحمر وإدارة دقيقة لمصالح حلفائها ذات الانخراط المباشر في الصراع ومنع التمدد الصيني والروسي أو تحول الإقليم إلى ممر للظاهرة الإرهابية، ولهذا تتمسك بوحدة السودان ممثلا في الجيش.
أما الصين فتبقى على نهجها التقليدي في الحياد البراغماتي، تنتظر توازن القوى لتتعاون مع المنتصر اقتصاديًّا، في حين أن روسيا عبر شبكة فاغنر ووريثها الفبلق الافريقي حافظت على علاقات مع الطرفين، فتقاربت ميدانيا مع الدعم السريع ووقعت في الوقت ذاته مذكرات تعاون دبلوماسية واقتصادية مع الجيش مع إعادة الحديث عن قاعدة روسية على سواحل السودان بالبحر الأحمر تحسبا لأي تسوية قادمة.
عبر التحليل السابق يتبين أن الصراع في السودان وتطوراته انعكست بعمق على دول الجوار والمحيطين الإقليمي والدولي في مرحلة دقيقة تقف فيها المنطقة بأسرها على برميل بارود يوشك على الانفجار من البحر الأحمر إلى المحيط الاطلسي، مرورا بحوض بحيرة تشاد والكونغو في حين يبقى السودان في قلب العاصفة.
سيناريوهات المستقبل
من الصعب التنبؤ بمستقبل السودان وسط هذا الكم من التشابكات والتعقيدات، فكل السيناريوهات تبقى مفتوحة من احتمال التقسيم إلى استمرار حرب استنزاف طويلة أو هدنة مؤقتة تفضي إلى سلام مرحلي هشّ. أما السلام الحقيقي الذي يليق بالسودان، فلا يزال بعيدًا، ذلك السلام الذي يقوم على عقد اجتماعي وسياسي واقتصادي جديد يكتبه كل السودانيين وعلى علاقات خارجية متوازنة ومصالحة وطنية في إطار عدالة انتقالية شاملة تفتح الطريق أمام سودان حر تسوده القيم التي نادى بها الثوار في ديسمبر 2018 (حرية، سلام، وعدالة)