المحرر السياسي ـ خاص مركز بيروت للأخبار
مقدمة: غطرسة القوة وتجاهل القانون الدولي
منذ نهاية الحرب الباردة، تصرفت الولايات المتحدة الأميركية كقوة أحادية تمتلك تفويضاً غير معلن لإدارة العالم، ولم تُستثنَ منطقة الشرق الأوسط من هذه القاعدة، فقد مارست فيها سياساتها بكل عنجهية وغطرسة، متجاوزة مجلس الأمن والأمم المتحدة، وضاربةً بعرض الحائط كل القوانين والأنظمة وقرارات الشرعية الدولية، كما استخدمت حق النقض (الفيتو) كأداةٍ دائمة لعرقلة أي قرار لا يخدم مصالحها أو مصالح حليفتها إسرائيل.
الهيمنة في الشرق الأوسط: دعم مطلق لإسرائيل
تتحرك الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بمنطق الهيمنة المطلقة، حيث تُبقي دول المنطقة في حالة توتر دائم تحت ذريعة حماية أمن إسرائيل بشتى الوسائل، فهي تعاملها معاملة الولاية الحادية والخمسين، حتى على الصعيد الميداني كانت الولايات المتحدة متواجدة بقوة على الأرض لمؤازرتها أثناء الصراعات التي خاضتها إسرائيل، و في هذا السياق كشفت صحيفة “كان” العبرية ومصادر إعلامية أخرى عن مشاركة القوات الأميركية ميدانياً مع الجيش الإسرائيلي في شمال فلسطين المحتلة، داخل المستوطنات التي تم تهجير سكانها منها، وقدّمت لها الدعم الكامل والمعلومات والتدريب، وفي ذات السياق أفادت تقارير موثقة بدخول بعض القوات الخاصة الأميركية إلى غزة لتحرير مستوطنين يحملون الجنسية الأميركية.
هذا الانخراط المباشر يحوّل الدعم الأميركي من التنسيق السياسي والعسكري إلى المشاركة العملياتية، مما يؤكد أن واشنطن ليست وسيطاً نزيهاً، بل طرفاً فاعلاً في الصراع لصالح إسرائيل.
فلاشك أن واشنطن تقدم كل أشكال الدعم السياسي والاقتصادي والاستخباراتي و العسكري ، بما يشمل أحدث الأسلحة والتقنيات المتطورة، لتثبيت التفوق الإسرائيلي ولردع أي محاولة إقليمية لتغيير موازين القوة.
كما أنها تبنّت مشاريع مشبوهة مثل “اتفاقيات أبراهام”، ومفهوم “الشرق الأوسط الجديد”، و استراتيجية “الفوضى الخلاقة” لإعادة رسم خرائط النفوذ بما يتناسب مع مصالحا و أهدافها.
تحولات النظام الدولي: تعددية الأقطاب قادمة
لا شك أن العالم اليوم يشهد مرحلة ما بعد الأحادية القطبية، حيث لم تعد واشنطن اللاعب الأوحد في الساحة الدولية، فالقوى الصاعدة، وفي مقدمتها الصين وروسيا، إلى جانب تحالفات “البريكس” ومنظمة شنغهاي للتعاون، بدأت تبني نظاماً دولياً جديداً يقوم على مبدأ التوازن والشراكة لا التبعية.
و ما مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، والتقارب الصيني – الروسي – الإيراني إلا إشارات واضحة إلى وجود تحول حقيقي في موازين القوة حول العالم.
و بالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط تبرز إيران وحلفاؤها كركيزة أساسية لمواجهة الهيمنة الصهيوأميركية، رغم التضحيات الكبيرة التي يبذلونها لإعادة التوازن الإقليمي وصد سياسة الردع المطلق التي تسعى واشنطن لتكريسها.
التراجع الأميركي ومحاولة فرض السيطرة بالقوة
إن السياسات الأميركية الأخيرة، مثل فرض الرسوم الجمركية واتباع أسلوب “العصا الغليظة” في العلاقات الدولية، لا تعكس قوة متجددة، بل هي تعبير عن ارتباك استراتيجي ومحاولة يائسة لاحتواء التراجع في قدرتها على ضبط النظام الدولي، فأصبحت أدوات الضغط الاقتصادي والعسكري وسيلة دفاع عن موقع يتآكل، وليس عن نفوذ يتوسع.
نحو نظام عالمي جديد
إن إصرار الولايات المتحدة على تجاهل التحولات الكبرى حول العالم يسرّع من ولادة نظام دولي أكثر توازناً وعدالة، فالدول الحرة التي ضاقت ذرعاً بالهيمنة والعقوبات بدأت تتوحد لتبني نموذجاً يقوم على الشراكة لا على السيطرة، حيث لم تعد واشنطن تملك وحدها مفاتيح القرار أو حق تقرير مصير الشعوب، رغم محاولاتها المستمرة لضبط الإعلام العالمي، وتوجيه الرأي العام لصالح سياساتها الاستعلائية.
