أهداف خطة ترامب وانتقال الحرب الى طاولة المفاوضات…

حسن حردان

هل انّ الشقين الثاني والثالث من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة، يشكلان في جوهر بنودهما محاولة أميركية إسرائيلية لتحقيق أهداف الحرب الإسرائيلية عبر الوسائل السياسية والضغط بورقة إعادة إعمار غزة، بعد ان عجزت آلة الحرب الإسرائيلية عن تحقيقها بالقوة؟
انّ التدقيق في البنود الواردة في الشقين الثاني والثالث من خطة ترامب، يتبيّن بوضوح انها تهدف إلى تحقيق الأهداف الإسرائيلية التي لم تتمكّن الآلة العسكرية من تحقيقها بالقوة، وذلك عبر استخدام أوراق الضغط السياسي، وإعادة الإعمار، والترغيب الاقتصادي.
أولاً، محاور الخطة، والأهداف الإسرائيلية…
تتكوّن خطة ترامب من 20 نقطة، تقسم عموماً إلى مرحلتين أو ثلاث، وتشمل نقاطاً رئيسية تعتبر أساسية لتحقيق الأهداف الإسرائيلية طويلة الأمد، وهي:
1 ـ نزع السلاح وتفكيك حركة حماس وبقية حركات المقاومة: ينص الاقتراح على أن تكون غزة “منطقة منزوعة السلاح وخالية مما تسمّيه الإرهاب”، وتدمير كافة المواقع العسكرية للمقاومة، وخاصة الأنفاق ومصانع الأسلحة. هذا الهدف يمثل الهدف المعلن والرئيسي لكيان العدو الإسرائيلي من الحرب، وهو القضاء على قدرات المقاومة العسكرية، وحكم حماس في غزة.. ورغم أنّ المرحلة الأولى من الخطة ركزت على وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، فإنّ المرحلة الثانية تتناول هذه القضايا الصعبة التي ترفضها حماس وغيرها من حركات المقاومة، وتعتبرها غير قابلة للتفاوض.
2 ـ الإدارة الانتقالية لغزة: تقترح الخطة إنشاء قوة دولية لحفظ الأمن وتدريب سلطة فلسطينية من “التكنوقراط”، أو هيكل حكومي انتقالي لتسيير شؤون القطاع، واستبعاد حماس والتنظيمات الأخرى من الحكم بشكل مباشر أو غير مباشر. هذا يخدم هدف حكومة العدو المعلن بمنع اي دور لحماس في حكم غزة.
3 ـ الضغط بورقة إعادة الإعمار: تركز الخطة على “إعادة تطوير غزة لصالح سكانها” (إعادة الإعمار). هذا البند، الذي يأتي في المراحل اللاحقة، يستخدم كـأداة ترغيب وضغط على الشعب الفلسطيني ومقاومته والمنطقة لقبول الشروط السياسية والأمنية الإسرائيلية ـ الأميركية، والتي تشمل القضاء على البنية التحتية لحماس ونزع سلاحها، مقابل الحصول على الأموال والمساعدات اللازمة لإنقاذ القطاع المدمر.
من هنا فإنّ الدعم العلني من رئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للخطة، وتأكيده على أنها “تحقق الأهداف الإسرائيلية من الحرب”، يشير إلى تقاطع كبير بين الرؤية الأميركية في الخطة والأهداف الإسرائيلية.
لذلك يمكن القول انّ ربط إعادة الإعمار والتنمية المستقبلية لغزة (الشق الاقتصادي) بالقبول التامّ بـنزع السلاح وإقامة قوة أمنية بديلة (الشق الأمني والسياسي) إنما هو آلية لاستثمار العجز الإسرائيلي عن حسم الأهداف عسكرياً، والعمل على تحقيقها عبر بوابة التسوية السياسية والترتيبات الأمنية والاقتصادية ما بعد الحرب، من خلال استغلال حاجة غزة الماسة إلى إعادة البناء.
لكن هل يعني ذلك انّ المعركة انتقلت من ميدان القتال الى طاولة المفاوضات غير المباشرة؟
من المؤكد أنّ المعركة قد انتقلت بشكل كبير من ميدان القتال المباشر إلى طاولة المفاوضات غير المباشرة، ولكن مع استمرار تأثير الميدان كأداة ضغط.
هذا التحوّل هو نتيجة لعدة عوامل:
العامل الأول، فشل حرب الإبادة النازية الإسرائيلية في تحقيق أهدافها الكاملة، نتيجة:
1 ـ عجز القوة الإسرائيلية: بعد عامين من شن الحرب وتدمير واسع النطاق لقطاع غزة والمجازر الإرهابية بحق الشعب الفلسطيني، لم تتمكن الآلة العسكرية الإسرائيلية من تحقيق الأهداف المعلنة بشكل كامل، خاصة القضاء التام على قدرة حماس على الحكم، أو نزع سلاحها، أو إطلاق سراح جميع الأسرى بالقوة.
2 ـ صمود المقاومة: أظهرت حركات المقاومة الفلسطينية مرونة وصموداً في الدفاع، مما منع جيش الاحتلال من تحقيق “نصر حاسم” عسكرياً، وبالتالي أجبر حكومة العدو على اللجوء إلى المسار السياسي.
العامل الثاني، الأهداف السياسية والأمنية للخطة:
1 ـ المرحلة الأولى ركزت على وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وإدخال المساعدات. وقد تمّ التوصل إلى اتفاق بشأنها وبوشر بتتفيذه.
2 ـ الشقان الثاني والثالث (السياسي والأمني): يتعلقان بالقضايا التي فشلت الحرب في حسمها، مثل نزع السلاح، وشكل الحكم المستقبلي لغزة، وضمان أمن “إسرائيل” على المدى الطويل، وربط إعادة الإعمار بتحقيق هذه القضايا، التي تبيّن انه لا يمكن حسمها بالقوة العسكرية، ولهذا وضعتّ واشنطن وتل أبيب آليات سياسية، أمنية، واقتصادية في إطار خطة دولية لمحاولة فرضها.
العامل الثالث، استخدام المفاوضات وسيلة لمواصلة الحرب، عبر أوراق:
1 ـ الضغط السياسي والاقتصادي: تُستخدم ورقة إعادة الإعمار والترغيب الاقتصادي (كما في خطة ترامب) للضغط على الجانب الفلسطيني للقبول بالشروط الأمنية والسياسية الإسرائيلية ـ الأميركية (كنزع السلاح وإبعاد حماس عن الحكم)، بعد أن فشلت محاولة فرضها عسكرياً.
2 ـ الميدان كرافعة: يبقى الميدان عاملاً حاسماً، حيث يمكن للطرفين استخدام التهديد باستئناف القتال أو العمليات العسكرية المحدودة (كما لوّح به المسؤولون الإسرائيليون في الماضي) كورقة ضغط على طاولة المفاوضات غير المباشرة لانتزاع تنازلات أكبر.
خلاصة القول، لقد انتقلت المعركة الرئيسية في الميدان إلى المسار السياسي والدبلوماسي عبر المفاوضات غير المباشرة.
هذا المسار يهدف إلى تحقيق النتائج التي عجزت الحرب الإسرائيلية عن تحقيقها، لكنه يظلّ مرتبطاً ومؤثراً بما جرى في ميدان القتال وما قد يلوح به من تهديد للعودة إليه… خصوصاً أنّ حركات المقاومة لا يمكن ان تقبل بالاستسلام للإملاءات والشروط الأميركية الإسرائيلية، لما تعنيه من تفريط بالتضحيات الكبيرة التي قدّمها الشعب الفلسطيني، ومن تصفية للقضية الفلسطينية.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com