في الآونة الأخيرة، يشهد المغرب موجة من الحراك الشعبي والتوترات الاجتماعية، مدفوعة بضغط الشباب من جهة، ومطالب الإصلاح من أعلى المستويات السياسية من جهة أخرى. في الوقت ذاته، تبرز مشاريع اقتصادية واستثمارات كبرى تُعدّ مفصلية لمسار التنمية في البلاد. هذا التقرير يُلقي الضوء على أهم التطورات الراهنة في المغرب، ويُحلّل أبعادها وتداعياتها المحتملة.
في أواخر سبتمبر 2025، انطلقت احتجاجات شبابية بقيادة حركة غير مركزية تُعرف بـ Gen Z 212، تحت شعار المطالبة بتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، ومواجهة الفساد، وإعادة توجيه الأولويات من البنى التحتية الكبرى إلى الحاجيات الأساسية للمواطن.
و هذه الحركة أشعلت شرارة النقاش الجماهيري عندما لقيت 8 نساء حتفهن أثناء الولادة في مستشفى بإقليم أغادير، ما مثّل نقطة تحوّل وأعطى القضية بعدًا رمزيًا بارزًا في الشارع.
و احتجاجات نظّمت في مدن عديدة مثل الرباط، الدار البيضاء، ومراكش، طالبت باستقالة رئيس الحكومة (عزيز أخنوش) ومساءلة كبار المسؤولين.
و بحسب بيانات رسمية وغير رسمية، تمّ توقيف مئات من المحتجين، ووقعت صداماتٍ مع الأجهزة الأمنية، وأسفرت الاحتجاجات عن وقوع ضحايا في بعض الحالات.
و على إثر تصاعد الاحتجاجات، أعلنت حركة Gen Z 212 أنها ستواصل الدعوة إلى تظاهرات سلمية، وتنسيق الجهود بين الجهات المختلفة داخل البلاد.
و في خطاب فتح الدورة البرلمانية مؤخرًا، دعا الملك محمد السادس إلى تسريع الإصلاحات؛ خاصة فيما يتعلق بخلق فرص للشباب، تحسين الخدمات العامة، ومعالجة الفوارق المجالية.
الملك أكد على ضرورة انسجام المشاريع الكبرى مع البرامج الاجتماعية، كما شدد على التنفيذ الفعلي للمخططات التنموية المحلية.
الحراك الشعبي أوقف مؤقتًا نشاطه بانتظار ما ستسفر عنه التوجيهات الملكية، في إشارة إلى أن الحركة ترى في العرش بُعدًا فاعلًا في التغيير.
مستشفى الحسن الثاني في أغادير أصبح رمزًا لتردي المنظومة الصحية، حيث شكاوى من نقص التجهيزات، قلة الطاقم الطبي، سوء النظافة، وغياب الأدوية الأساسية.
الاحتجاجات ضد تردّي الخدمات الصحية تُعدّ من أبرز مطالب الشارع، وقد زادت من الضغط على السلطات لإطلاق إصلاحات استراتيجية عميقة.
—
ثالثًا: مشاريع اقتصادية واستثمارات ضخمة
أعلنت شركة Safran الفرنسية عن استثمار بقيمة 200 مليون يورو لإنشاء خط تجميع لمحركات الطيران في المغرب، ليكون أول خط تجميع للشركة خارج فرنسا.
هذا المشروع يشمل أيضًا إنشاء ورشة صيانة قريبة من الدار البيضاء بحلول 2027 بطاقة استيعابية لــ 150 محركًا سنويًا.
في قطاع السيارات، أعلن تحالف Stellantis توسيع قدرات الإنتاج في مصنع القنيطرة إلى أكثر من 535,000 سيارة سنويًا، مع التركيز على السيارات الكهربائية والهجينة.
المغرب أطلق مشروع سكة حديدية ضخمة بميزانية تقدر بـ 96 مليار درهم، من بينها خط سريع بين القنيطرة ومراكش، لتخفيف زمن التنقل بين المدن الكبرى.
—
خاص _ مركز بيروت الاخباري
المغرب يواصل تعزيز دعمه لخطة الحكم الذاتي في الصحراء، ويحظى بتأييد من دول مثل الإمارات والسنغال، في حين تحافظ الجزائر على موقفها الرافض.
كذلك، المغرب يسعى إلى كسب مواقف روسية في هذا الشأن، من خلال حوارات دبلوماسية بين الرباط وموسكو.
قضايا مثل تدفق المهاجرين، وقضايا الأمن على الحدود مع المغرب – خاصة في مناطق مثل سبتة ومليلية المحتلتين إسبانيًا – ما زالت تشكّل تحديًا استراتيجيًا متواصلًا.
و إن نجح المغرب في الاستجابة لهذه الضغوط، يمكن أن يتحول هذا الحراك إلى نقطة تحول إيجابية في مسار الدولة، بإرساء نهج جديد للمواطنة والتشاركية.
و تمنح المشاريع الاستثمارية الكبرى المملكة أدوات قوية للتنمية والانتقال الصناعي، خصوصًا في قطاعات الطيران والسيارات.
الحفاظ على الاستقرار السياسي والانسجام الاجتماعي سيكون مفتاحًا لاستدامة التطور على المدى المتوسط.
ختاما المغرب اليوم يعيش مفترقًا بين مطالب شبابية قوية للتغيير، ودعوات ملكية للإصلاح والتسريع، وبين طموحات استثمارية تحاول دفع البلاد نحو القطاعات المستقبلية. حجم التحدي كبير، لكن القدرة على التكيّف والإنجاز الفعلي ستكون المعيار الفاصل في كيفية استجابة الدولة لهذا الزخم الشعبي.
