بقلم الدكتور أسامة توفيق مشيمش
خاص – مركز بيروت للاخبار
العملية البطولية الأولى في العاصمة بيروت قرب صيدلية بسترس- منطقة الحمرا، لم تكن نتيجة تأسيس جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، بل كانت نتيجة احتلال فُرض على إرادة شعب. وإذا كبرنا المصطلح، كان احتلالًا لأمة، للثقافة التي تربّى عليها جيل فَهِم وأيقن أن الاحتلال إلى زوال، وأن الوطن باقٍ بإرادة أبنائه. والدليل على ما أقوله هو التحاق العديد من أفراد “جمّول” بالمقاومة التي استمرت في عملها حتى بعد التحرير. فمفهوم المقاومة متلازم مع هذه الأمة، وعدم الخنوع والرضوخ من شيمها، ومأصل في فكرها وممارستها اليومية. وحتى في أصعب الظروف وأحلك الليالي، كانت المقاومة تتوارث أباً عن جد، فأمة رضعت مع الحليب هذا المفهوم، كيف يُقدَّر لها أن تُهزَم؟ بل العكس، القَدَرُ لها هو النصر بكافة أشكاله: الموت أو الحياة.
لم تكن المقاومة خيارًا، بل كانت قدرًا، لأن الكرامة ليست خيارًا، بل جوهر وجود. فمنذ اللحظة التي اجتاحت فيها آلة الحرب الصهيونية جنوب لبنان وبيروت، وبدأت محاولات فرض واقع سياسي وعسكري جديد، وُلد في الشارع اللبناني إحساس لا يمكن كبحه: إحساس بالرفض، بالتمرد، بالتصدي. هذا الإحساس لم يكن تنظيميًا في البداية، بل فطريًا، من رحم المظلومية، من نبض الإنسان الذي يرى وطنه يُنتهك وكرامته تُداس.
جاءت “جمّول” (جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية) كردّ تاريخي جامع، لكنها لم تكن البداية ولا النهاية. كانت مرحلة من مراحل تطور الوعي المقاوم الذي لم يرتبط بتنظيم أو أيديولوجيا معينة، بل ارتبط بقيم أعمق: الحرية، الكرامة، والانتماء. واللافت أن كثيرًا من مقاتلي “جمّول” انضموا لاحقًا إلى حركات مقاومة أخرى، لأن الرابط الذي جمعهم جميعًا لم يكن اسم التنظيم، بل وحدة الهدف: تحرير الأرض والدفاع عن السيادة.
المقاومة في لبنان لم تكن سلاحًا بيد فئة، بل كانت ثقافة شعب. ومن هنا نفهم لماذا بقيت هذه الثقافة حية حتى بعد التحرير في العام 2000، وبعد انتصار تموز 2006، بل وحتى يومنا هذا. المقاومة لم تعد مجرد رد فعل على احتلال، بل باتت مشروعًا دفاعيًا، وطنيًا، أخلاقيًا، يحفظ الكرامة والسيادة في زمن التبعية والانبطاح.
ولعلّ أهم ما في هذه التجربة أنها كانت دومًا شعبية، تستمد قوتها من البسطاء، من الفلاحين والطلاب والعمال، من الأمهات اللاتي ربّين أبناءهن على حب الوطن لا على الخوف، من الجيل الذي كان يرى في الشهادة طريقًا للحياة، لا للهلاك.
ليس غريبًا أن تبقى المقاومة حاضرة في وجدان اللبنانيين، رغم كل محاولات التشويه. وليس مستغربًا أن يحاول البعض اختزالها في إطار طائفي أو سياسي ضيق. لكن الحقيقة أوسع من ذلك بكثير. المقاومة اللبنانية، منذ انطلاقتها الأولى، كانت عابرة للطوائف والانتماءات، وكانت الردّ الحقيقي على المشروع الصهيوني الذي أراد لبنان هشًّا، منقسمًا، قابلاً للابتلاع.
من هنا، فإن من يسعى اليوم لتفكيك مفهوم المقاومة، أو لإقناع الأجيال الجديدة بأن زمنها قد ولى، لا يفقه طبيعة هذا الشعب. فالأمم التي تؤمن أن الكرامة أغلى من الحياة، لا تُهزم. وأجيالٌ نشأت على قصص البطولة لن تقبل أن تعيش بلا سيادة. وإن كان البعض يروّج لثقافة الاستسلام، فإن في هذا الوطن من لا يزال يرفع راية الرفض، لا حبًا بالموت، بل حبًا بالحياة الحرة الكريمة.
إن مقاومة الاحتلال ليست فقط مقاومة لعدو خارجي، بل هي أيضاً مقاومة لكل أشكال الاستلاب الداخلي: للفساد، للطائفية، للاستغلال. المقاومة مشروع متكامل، يبدأ من العقل، من المدرسة، من البيت، ويستمر في الميدان إن اقتضى الأمر.
هكذا كانت بيروت، وهكذا كان الجنوب، وهكذا كانت صيدا والبقاع وكل حارة لبنانية سكنها الحس الوطني الحقيقي. لا يمكن لأحد أن يفهم معنى هذه التجربة إلا من عاش لحظات الخوف والرجاء، لحظات النار والانتصار، لحظات الغياب والعودة. ومن هنا، فإن الحديث عن المقاومة ليس ماضويًا، بل هو حديث عن الحاضر والمستقبل.
لقد أثبتت هذه الأمة، بكل أطيافها، أنها ترفض الرضوخ، وأنها قادرة على كتابة مصيرها بيدها، مهما بدا المشهد قاتمًا. فكما قهرت الاحتلال، ستقهر كل أشكال التبعية. لأن من ارتوى من ماء الوطن، لا يمكن أن يساوم عليه.

