
كتب مبارك بيضون:
مقدمة
المفارقة الكبرى في لبنان: بين السيادة الكاملة والسيادة المنتقصة
المفارقة الكبرى في هذا البلد، أن هناك طرفاً يريد أن يبقى لبنان حرّاً، سيّداً، مستقلاً، يثبت وجوده من خلال الدفاع والثبات والمقاومة، في حين أن الطرف الآخر يسعى إلى سيادة منتقصة، لا علاقة لها لا بالحرية ولا بالاستقلال، بل بتطبيق ما يُطلب منه، والانصياع لأجندات خارجية تُنفّذ حيناً بعد حين، على قاعدة التبعية المطلقة، بعيداً عن أي وطنية حقيقية.
هذه المفارقة ليست تفصيلاً، بل هي جوهر الأزمة اللبنانية. فبينما يؤمن البعض بأن قوة لبنان تقوم على وحدته في وجه العدو الإسرائيلي، نرى آخرين يضعون رهانهم على اتفاقيات ومساومات داخلية، تُفكك البلد وتُضعف مناعته الوطنية. والحقيقة أن إسرائيل لم تُخفِ يوماً هدفها: هي لا تريد للبنان أن يقوم دولة قوية، حرّة، سيّدة، مستقلة، بل تريده مشرذماً، ممزق الأوصال، غارقاً في تناقضاته الداخلية وخلافاته السياسية، ليستفيد العدو من انقساماته، ويحول دون قيامه كوطن متماسك.
الأحداث الأخيرة خير دليل: من انفجار المرفأ وما تبعه من ضربات اقتصادية، إلى استغلال ثورة خجولة حُمّلت فوق طاقتها، ليُعاد لبنان عقوداً إلى الوراء. وفي المقابل، فإن تاريخ نصف قرن من المواجهة يُثبت أن المقاومة، إلى جانب الجيش والشعب، كانت دائماً السدّ المنيع بوجه المؤامرات.
• من جرود البقاع إلى معارك مواجهة التكفيريين، وقف الجيش والمقاومة يداً واحدة للتصدي للإرهاب.
• ومن الجنوب إلى الحدود، تصدّت المقاومة والجيش معاً لمحاولات الخرق الإسرائيلية، ومنعت قيام مشروع يهدف إلى ابتلاع لبنان.
إنها المفارقة الكبرى حقاً: هل يريد اللبنانيون سيادة كاملة تُترجم في معادلة الشعب والجيش والمقاومة، أم سيادة وهمية تُبنى على التبعية والارتهان، وتُفرّط بلبنان كوطن وتاريخ وحقوق.
يواجه لبنان منذ عقود تحديات متراكمة على الصعيد الداخلي والخارجي، تمثل مفترق طرق بين خيار السيادة الوطنية الكاملة، وخيار السيادة المنتقصة التي تقوم على التبعية والانصياع للضغوط الإقليمية والدولية. هذه الثنائية تشكّل جوهر الأزمة اللبنانية المستمرة، وتتضح في السياسة الأمنية والعسكرية، في علاقات الدولة مع المقاومة، وفي التعاطي مع الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.
خطة الجيش اللبناني وأبعادها التنفيذية
عقب جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، تم اعتماد خطة واضحة للجيش اللبناني تهدف إلى حصر السلاح غير الشرعي وتعزيز سيطرة الدولة على كامل أراضيها. وقد اعتُبرت هذه الخطة خطوة محورية لتعزيز الأمن الوطني والالتزام بالاتفاقيات الدولية.
مع ذلك، أشارت قيادة الجيش إلى وجود معوقات أساسية أمام التنفيذ الفعلي، تأتي بالدرجة الأولى من الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان، والتي تحول دون تنفيذ أي خطة أمنية بشكل كامل.
تُظهر هذه الوقائع أن أي تقييم لأداء الجيش اللبناني أو المقاومة لا يمكن أن يتم بمعزل عن الظروف الميدانية والضغوط الإقليمية، خصوصاً في ظل سياسات إسرائيلية واضحة تستهدف الاستفادة من الانقسامات الداخلية اللبنانية لإضعاف الدولة ومؤسساتها.
إسرائيل ومشروع الشرق الأوسط الجديد
تحمل السياسات الإسرائيلية في لبنان أبعاداً استراتيجية تتجاوز الاعتداءات الميدانية، إذ تهدف إلى فرض وقائع جديدة ضمن ما يُعرف بـ “مشروع الشرق الأوسط الجديد”، بما في ذلك السيطرة على الموارد الاقتصادية اللبنانية، لا سيما الغاز والنفط في البحر المتوسط، وإعادة رسم الحدود الجغرافية والسياسية وفق خرائط توسعية.
تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، بما فيها “الخارطة الزرقاء” التي عرضها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تؤكد توجه إسرائيل نحو إقامة دولة موسعة تمتد من النيل إلى الفرات، مما يوضح طبيعة المشروع الإقليمي الذي يطال لبنان كدولة وشعباً ومؤسسات.
المفارقة اللبنانية: السيادة الحقيقية مقابل السيادة المنتقصة
يمكن تحديد مفارقة أساسية في المشهد اللبناني:
• الطرف الأول يصر على سيادة وطنية حقيقية، قائمة على الدفاع والمقاومة والتمسك بالحقوق السيادية للشعب اللبناني، ويعتبر أن أي تنازل عن هذه السيادة يمثل تهديداً وجودياً للدولة.
• الطرف الثاني يقبل بسيادة منقوصة، تُدار وفق أجندات خارجية، وغالباً ما تؤدي إلى ضعف الدولة وانقسام المجتمع، ما يتيح للعدو استغلال الانقسامات الداخلية لتحقيق مصالحه.
هذه المفارقة تُظهر أن لبنان لم يعد مجرد ساحة للتوتر الداخلي، بل أصبح محور صراع استراتيجي بين من يريد دولة قوية ذات سيادة كاملة، ومن يسعى لتوظيفه كأداة ضمن مشاريع خارجية توسعية.
خمسون عاماً من التجارب الوطنية
تاريخ نصف القرن الماضي يعكس تجربتين متوازيتين:
1. ضعف مؤسسات الدولة الداخلية نتيجة الانقسامات السياسية والولاءات الخارجية، ما سمح لإسرائيل بفرض شريط حدودي وهمي وإضعاف الجيش اللبناني في بعض المحطات.
2. أداء المقاومة والجيش اللبناني في التصدي للاعتداءات، سواء على الحدود مع إسرائيل أو في مواجهة الجماعات التكفيرية، بما يضمن حماية السيادة الوطنية وتحقيق الردع الاستراتيجي.
تظهر هذه التجربة أن لبنان يمكن أن يحافظ على وجوده وسيادته فقط من خلال تنسيق فعال بين الدولة والمقاومة، وإقرار رؤية وطنية واضحة تحدد العدو والمصلحة الوطنية العليا.
الخلاصة والتوصيات
تواجه لبنان اليوم فرصة لإعادة تأسيس مفهوم السيادة الوطنية من خلال:
• تعزيز التنسيق بين الجيش اللبناني والمقاومة لضمان الردع الفعّال ضد أي اعتداء خارجي.
• توحيد الجبهة الداخلية على قاعدة أن هناك عدواً واحداً يسعى لتمزيق الدولة واستغلال مواردها.
• تطوير استراتيجية وطنية شاملة تشمل الأمن، الاقتصاد، والسياسة الخارجية، بما يضمن حماية مصالح لبنان وثرواته.
يمكن القول إن بقاء لبنان قوياً وموحداً لا يتحقق إلا عبر تطبيق سيادة حقيقية قائمة على وحدة الشعب، الجيش، والمقاومة، في مواجهة مشاريع توسعية تستهدف المنطقة بأسرها.
بين خطة الجيش والمخطط الإسرائيلي: قراءة في مشروع “الشرق الأوسط الجديد”
منذ إقرار خطة وقف إطلاق النار عبر اللجنة الدولية في تشرين الماضي، كان من المفترض أن تنسحب القوات الإسرائيلية من كامل الأراضي اللبنانية بلا قيد أو شرط، لتُفسح المجال أمام الجيش اللبناني كي يباشر خطته الأمنية. غير أن الوقائع أظهرت تعطيلاً ممنهجاً: فالاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على جنوب لبنان شكّلت العقبة الأساسية أمام الجيش، وهو ما أعلنه صراحةً قائد المؤسسة العسكرية، مؤكداً أن العائق ليس داخلياً بقدر ما هو نتيجة مباشرة للانتهاكات الإسرائيلية.
بهذا المعنى، يتضح أن الهدف لم يكن مجرد عرقلة خطة أمنية لبنانية، بل استكمال مخطط أكبر يندرج في سياق ما يُعرف بـ مشروع الشرق الأوسط الجديد. فإسرائيل، وبدعم مباشر من الولايات المتحدة، تحاول فرض وقائع جديدة في الجنوب وفي المنطقة كلها، مستندة إلى خطاب قديم – جديد أعاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التلويح به مؤخراً عبر ما سمّاه “الخارطة الزرقاء”، التي تُظهر حدود “إسرائيل الكبرى” من النيل إلى الفرات.
ما يجري اليوم يتجاوز مسألة “إسناد” أو “توقيت السابع من أكتوبر”، ليصب في مشروع استراتيجي واضح: إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، والسيطرة على مقدّراتها الاقتصادية، خصوصاً الغاز والنفط في شرق المتوسط.
من هنا، فإن ما يواجهه لبنان ليس مجرد خلاف تكتيكي على خطة أمنية أو التزام بوقف إطلاق نار، بل معركة وجودية تتعلق بمستقبل كيانه وسيادته، في مواجهة مشروع توسعي معلن، تدعمه قوى كبرى، ويستهدف ليس المقاومة وحدها، بل كل المنطقة ومصادر قوتها.
