الصلح والحرب: من الإمام الحسن إلى كربلاء لبنان

كتب باسم الموسوي:

يظن بعض المتحدثين أنّه يمكن وضع خيار الإمام الحسن (عليه السلام) في الصلح مقابل خيار الإمام الحسين (عليه السلام) في المواجهة، وأنّهما طريقان متعارضان أو مشروعان متنافيان. غير أنّ قراءة دقيقة للتاريخ، وفهماً للمعادلات التي حكمت التجربتين، يكشفان أنّ المسألة أعقد بكثير: فالإمام الحسن لم يغادر ساحة الصراع، ولم يتنازل عن الحق، بل اختار هدنة مشروطة بظروف موضوعية. وما جرى لاحقاً أثبت أنّ خيار الحسين لم يكن منفصلاً أو متناقضاً مع خيار الحسن، بل خرج من رحمه بعد أن انكشف الغدر.

أولاً: صلح الإمام الحسن – تسوية مشروطة

بعد استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وتولّي ابنه الحسن الخلافة، وجد نفسه أمام معادلة صعبة: جيش مرهق بعد معارك طويلة (الجمل، صفّين، النهروان)، وأمة متصدّعة، وقاعدة اجتماعية لم تعد قادرة على تحمّل المزيد من الحروب. من جهة أخرى، كان معاوية قد تمكّن من ترسيخ سلطته في الشام، مدعوماً بمال الدولة وبجيش قوي متماسك.

أمام هذا المشهد، فضّل الإمام الحسن أن يختار صلحاً يضمن:
1. حقن الدماء وصون أرواح المسلمين.
2. حماية شيعته وأتباعه من القتل والتصفية.
3. تثبيت بنود تحفظ مستقبل الأمة، من أبرزها أن تعود الخلافة إليه بعد معاوية، وأن يُمنع سبّ الإمام علي (عليه السلام) على المنابر.

لقد كان الصلح، إذاً، خياراً استراتيجياً مؤقتاً، لا تنازلاً عن المبدأ ولا تفريطاً بالحق.

ثانياً: الانقلاب على الصلح – الطريق إلى كربلاء

لم يلتزم معاوية بأيّ من البنود. فقد استخدم الصلح كغطاء لتثبيت سلطته المطلقة. وأول ما فعله أنّه صعد منبر الكوفة ليعلن: “ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا، وإنما لأتأمّر عليكم.” بهذه الجملة القصيرة، نسف جوهر الصلح وأظهر أنّه لا يرى الدين إلا وسيلة للسيطرة.

لاحقاً، أوصى بالخلافة لابنه يزيد، ضارباً بعرض الحائط شرطاً أساسياً في الاتفاق: أن تعود الخلافة للإمام الحسن بعده. ومع موت الحسن مسموماً، لم يبقَ من الخيار سوى المواجهة. وهكذا انكشف أنّ الصلح لم يكن بديلاً دائماً عن القتال، بل محطة عابرة، أعقبها انقلاب دموي مهّد لكربلاء، حيث أريقت دماء الحسين وأهل بيته وأصحابه.

من هنا نفهم أن ثورة الحسين لم تكن نقضاً لصلح الحسن، بل امتداداً له. صلحٌ غُدر به، فتح الطريق إلى مواجهة فاصلة. وبذلك صار الخيار الحسيني وليد الخيار الحسني، لا نقيضه.

ثالثاً: الدرس التاريخي – الصلح غير المصان يولّد الحرب

الدرس الأبرز من تجربة الإمامين أنّ الصلح حين لا يُصان، وحين يتحوّل إلى أداة غدر، يصبح بذاته مقدمة للحرب. التنازل المرحلي لا يُثمر إلا إذا التزم الطرف الآخر. أما إذا انقلب على العهود، فإنه يدفع الأمة نحو مواجهة أعنف، لأن الخيار الآخر صار مسدوداً.

هذا الدرس ليس حكاية من الماضي، بل تجربة متكررة في حاضرنا.

رابعاً: التجربة اللبنانية – صلح ينقلب إلى مواجهة

في لبنان، اختارت المقاومة في لحظة مفصلية أن تدخل في تسوية سياسية كبرى. الهدف كان شبيهاً بخيار الإمام الحسن:
• حقن الدم اللبناني وتجنّب حرب أهلية جديدة.
• إيجاد صيغة شراكة وطنية تسمح بحماية ظهر المقاومة.
• إعطاء الدولة فرصة لتكون الإطار الجامع للجميع.

هذه التسوية أدت إلى انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة، وقيل إنّها ستفتح باب الاستقرار. غير أنّ الوقائع سرعان ما أظهرت تكرار المشهد التاريخي: فالذين دخلوا في الصلح انقلبوا عليه، وحوّلوا الدولة إلى أداة استهداف للمقاومة. بدلاً من أن تكون الحكومة حامية للشراكة، صارت منصّة لإقصاء طرف أساسي. وبلغ الأمر ذروته حين اتُخذ قرار باستخدام الجيش اللبناني لمحاولة القضاء على المقاومة.

خامساً: الصلح حين يصبح غطاء للغدر

هنا تظهر الموازاة الدقيقة: كما استخدم معاوية صلح الإمام الحسن ليكرّس سلطته ثم ينقلب على بنوده، استخدم خصوم المقاومة في لبنان التسوية السياسية ليحصّنوا مواقعهم ثم ينقلبوا عليها. وكما كان انقلاب معاوية هو السبب المباشر الذي أفضى إلى كربلاء، فإن انقلاب الداخل اللبناني – المدعوم من الخارج – جعل البلاد أقرب إلى لحظة كربلائية جديدة.

سادساً: تفنيد المقابلة المصطنعة

من هنا يظهر زيف المقابلة التي يحاول البعض أن يرسمها: “الحسن صلح، الحسين قتال”. فالتجربتان لم تكونا خطين متوازيين لا يلتقيان، بل كانتا خطين متعاقبين متكاملين. الحسن صالح حقناً للدماء، لكن غدر معاوية جعل القتال أمراً لا مفر منه. كذلك في لبنان: المقاومة قبلت الصلح لتجنيب البلاد الدماء، لكن الانقلاب على التسوية حوّلها إلى غطاء للغدر، ما جعل المواجهة حتمية.

سابعاً: البعد الفلسفي – العلاقة بين الصلح والقتال

على المستوى الفلسفي، يمكن القول إنّ الصلح والقتال ليسا خيارين متناقضين، بل حلقتان في سلسلة واحدة. الصلح هو الإمكان النظري للتفاهم المشروط بالالتزام. أما إذا سقط الالتزام، فإن منطق الصلح نفسه يفرض الانتقال إلى القتال. أي أنّ الحرب ليست نقيض الصلح، بل هي ثمن فشله.

هذا ما يجعل المقارنة بين الحسن والحسين خطأً معرفياً. الحسن مارس السياسة الواقعية المشروطة، والحسين مارس الشهادة التاريخية المبدئية. والاثنان جسّدا وجهين للحقيقة ذاتها: صون الدين وصيانة الأمة.

ثامناً: لبنان وكربلاء – حين يتكرر الدرس

ما أشبه الأمس باليوم. في الأمس، أُبرم صلح الحسن فانقلب عليه معاوية فأوصل الأمة إلى كربلاء. وفي اليوم، أُبرمت تسوية سياسية فانقلبت عليها أطراف نافذة، فدفعت البلاد إلى حافة مواجهة. إنّ تكرار الدرس يثبت أنّ أي صلح بلا التزام مصيره الفشل، وأن كربلاء ليست خياراً إرادياً بقدر ما هي نتيجة حتمية لانتهاك العهود.

خاتمة

إن محاولة البعض وضع خيار الصلح الحسني مقابل خيار القتال الحسيني محاولة عقيمة، لا تقف على أرضية تاريخية أو واقعية. فالتجربتان متكاملتان، إحداهما تمهّد للأخرى. في التاريخ الإسلامي، صلح الحسن كان المقدمة لكربلاء الحسين. وفي لبنان، التسوية السياسية التي اعتمدتها المقاومة كانت مقدمة لمواجهة فرضها الانقلاب على الصلح.

الذين يريدون تصوير الصلح كطريق سلام دائم يغفلون أن سلاماً بلا التزام يتحوّل إلى فخ. والذين يضعون المواجهة كخيار مفتعل يغفلون أنّها النتيجة الطبيعية للغدر. وبين التاريخ والواقع، يتضح الدرس: من ينقلب على الصلح هو من يدفع الناس إلى كربلاء، لا من يتمسك بالمقاومة.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com