الإعلامي عدنان غملوش وتجربته المريرة مع "اللامصداقيّة الرائجة

كتبت سلوى فاضل:

للمرة الأولى ينصّ أحد الإعلاميين اللبنانيين، وربما العرب، تجربته المهنيّة على مدى أكثر من عقدين من الزمن، مع تفصيل مهم وبارز حول تجربته الخاصّة في قناة “العربيّة” التي لُقبّت لاحقًا في بعض الأوساط بـ”العبريّة” نظراً لموقفها المُناهض للمقاومة في لبنان وفلسطين واليمن والعراق.. وأينما وُجدتْ المقاوَمة للإسرائيلي أو المُنَاهضة للأميركيّ، وذلك في كتاب يحمل عنوان “مذكرات مراسل- قناة العربيّة.. المصداقيّة الضائعة”.

والمُثير في هذا الكتاب أنه يصلح للتدريس في بعض المعاهد والمؤسسات التدريبيّة المنتشرة بكثرة في بيروت والمحيط، والتي تدّعي تعليم مهنة الإعداد والمُرَاسلة وكتابة التقارير وصناعة المحتوى وبعض التقنيات سواء في المونتاج أو التصوير وخلافهما، نظرًا لكونه يُقدّم تجربة من رحم الواقع المُؤلم، حيث لن يجد اعلاميّو المستقبل أو المُراسلون الجدد والمُبتدئون مُخضرمًا واحدًا في هذا المجال ينقل لهم تجربته الغنيّة هذه على طبق من ورق تفصيلي، بل سهل ممتنع، سَلس الرواية، دون أية تعقيدات أو فذلكات أو “روتوش” على مدى 191 صفحة.

يروي غملوش خلاصة عُمر، بلحظاته المهنيّة، والتي كان يراكمها من أجل سرد معاناته مع مؤسسة لم تتحمّل الفرق المذهبي في زمن صعود المذهبيّة وبسببها، لدرجة أنه كشف أن فكرة تأسيس قناة “العربيّة” جاء في سبيل تغطية الاحتلال الأميركي للعراق، ولضرب فكرة المقاومة في البلدان العربيّة المُحيطة بالكيان الغاصب. بصراحة هي صورة مُحدّثة عمّا كان يُسمى في الثمانينيّات بــ”الرجعيّة العربية”. هذه الرجعيّة التي كانت تموّل المُتحاربين، اليوم تموّل الاعلام الذي يؤدي ما فوق المطلوب أحيانًا من التفرقة.

لم تكن هذه المحطة تسعى لمهنيّة أو موضوعيّة مُغلّفة بسمِ في الدسم كما تفعل المحطات الغربيّة غالبًا، بل كانت بكلّ فجاجة ودون أية مراعاة للمهنيّة تُخفي بعض الحقائق. وكانت حاجتها له(غملوش) كمُراسل في القناة بمكتب بيروت ضروريّة نظرًا لنشاطه وعلاقاته وخبرته وأهليّته المهنيّة، فكان الاستغناء عن خدماته يفضح تقصير بقيّة المُراسلين المُدّعين العاملين على سبيل التنفيعة لا أكثر، مما يفضح الاعلام العربي الذي يربط بين العمل والانتماء السياسي وكأن الاعلامي منتسب لحزب ويحمل بطاقة انتسابه في ميكروفونه، وليس ناقلًا للأحداث ووسيطًا بين المشاهد والمحطة.

ذكر عدنان غملوش كافة التفاصيل المُمكنة، وأبقى على شعرة معاوية فيما يتعلق بأخلاقيات البعض نظرًا لاحترامه لخصوصيّات الزملاء والزميلات.

فالعمل الاعلامي في القنوات العربيّة يحتاج الكثير من المَهارات، ليس أولّها الاختصاص واللغات والعلاقات مع الطبقة السياسيّة في بيروت، بل يحتاج أيضا إلى التدليس والنفاق وربما التفاهة وقلّة المعرفة ليصل المرء بأسرع ما يمكن، وبتقديم بعض الخدمات المرئيّة وغير المرئيّة لمعنيين في أيّة محطة أو قناة أو شاشة.

ففي لبنان عشرات، بل مئات المواقع الإخباريّة وعشرات المحطات والقنوات والشاشات، وكلّها تحتاج مراسلين، ولكن العبرة بالواسطة والمَعارف والتدّخلات التي تُثبّت فلان أو علاّن في موقعه. فنادرًا ما يُثبّت زميل أو زميلة في مكان ما لمهنيّته، بل لفضيلة صمته وسكوته وعدم اعتراضيّته وعدم تساؤله الدائم، وطاعته العمياء.

جرأة غملوش النادرة تظهر في ذكره أسماء الفريق الذي عمل معه في كافة مراحل عمله بدءً من عمله كمُراسل رياضي في إذاعات محليّة، وصولا إلى عمله في قناتين عربيتين إخباريتين.

اللافت في كتابه هذا أن الرواية مُلحقة بتفاصيل واقعيّة غير قابلة للإنكار، تفاصيل مُوجعة من الذاكرة ومُؤلمة، تكشف معاناة الصحفيين في لبنان والعالم العربي حيث لا تحميهم سلطة خامسة بعد أن اختاروا لأنفسهم لقب السلطة الرابعة. فالسلطات هنا اندثرت لصالح المال والسياسة والأعمال.

عمل غملوش مع فريق معادٍ لمجتمعه وبيئته، وكان أن وجهت له هذه البيئة دومًا الاتهام تلو الاتهام، فكان ألمه مزدوجًا ومعاناته ثنائيّة، وهو بالوقت عينه محبٌ لعمله ومتفانٍ لأجله، ويهمه الأسبقيّة والأولوية بانتظار التقييم والتكريم مع عدم مساواته بالفاشلين والمُقصرّين والاشادة بأدائه وجهوده، لكن تبقى الحُرقة بقلّة الوفاء من مؤسسة أعطاها من قلبه فكافأته بالطرد عبر فخٍ نُصب له باتقان.

حاول غملوش، وحاول لفتَ النظر إلى الخلل داخل المؤسسة التي عمل فيها على مدى 13 عامًا (2003-2016) أي قناة “العربيّة”، وهو الذي بدأ صدفة عمله كمراسل رياضي عام 1994 في إذاعة النور، وأكمل أيضا في قسم الرياضة في إذاعة البشائر، وفي قناة MBC من (1996-2003) في القسم الرياضي أيضا. ومن خلال تغطياته المُكثفة لكافة الأحداث الأمنيّة والعسكريّة في لبنان بدءً من اغتيال الرئيس رفيق الحريري إلى عدوان تموز 2006، إلى معارك نهر البارد، وأحداث السابع من أيار 2008، والاغتيالات التي حصلت في بيروت قبل ذلك، إضافة إلى معارك عرسال بين الإرهابيين (الدواعش والنصرة) والجيش اللبناني، والكثير من الأحداث منها أحداث الكولا على يد شباب تيار المستقبل، وانتشار القمصان السود.. اكتسب المصداقيّة وراكم الخبرات التي أعمت “العربيّة” عينيها عنها لأسباب غير حقيقيّة وكوابيس خفيّة، ربما أسبابها كيديّة.

كلّها أحداث غيّرت وجه لبنان، بل عجنته وخلطت ماضيه بمستقبله بحاضره، وأظهرت بوضوح كبير دور الاعلام المحلّي والعربي في اللعب السياسي ومحاولات التأثير المباشر على السياسيين في لبنان، كما غيّرت هوى الرأي العام، اضافة إلى التركيز على فئة مُحددة، استعداءً لها، والتصويب عليها لكسرها فضائيّا، رغم جماهيريتها واقعًا.

فالكلمة والصورة هما السلاح الأمضى لشلّ المجتمع والسيطرة على شبابه، فيكون الاعلام أقوى من كلّ الأسلحة التي تسعفنا بها واشنطن باستمرار بادواتها الناطقة بأحرف عربيّة جاهليّة.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com