برّاك و أورتاغوس و جزيرة إبستين

كتب باسم الموسوي: 

السياسة، حين تُخضع الإنسان وتُسوِّقه كسلعة، تتحوّل إلى بغاءٍ علنيٍّ بربطة عنق. يكفي أن تنظر إلى وجوه كثير من الرؤساء والزعماء في العالم لتتذكّر جزيرة جيفري إبستين: منتجعٌ للابتزاز والهيمنة، حيث تتقاطع الثروة بالمخيال الأمني، والجسد بالسلطة. ليست الحكاية زلّة فردٍ منحرفٍ، بل مِرآةٌ تكشف بنيةً أوسع: اقتصاداً سياسياً يَبتزُّ الرغبات ليشتري الولاءات، ويحوِّل السياسة إلى مهنة سُمسارٍ يدير شبكة علاقات لا مشروعاً عاماً. في لبنان أيضاً، حين تُفرش السجّادات الحمراء لبعض رموز المال العالمي المتعطّشين إلى الغنائم الرمزية، وحين تُقدَّم بيروت كمنصّة “استعراض” لزائرين يجمّلون تطبيعاً أو يبيّضون صورة استعمارٍ جارح، يبدو البلد كأنه يُدفع دفعاً إلى هيئة مبغى: المكان موجود، لكن السيّدة الغائبة هي الكرامة.

لا أكتب هنا “أخلاقويةً” تُدين الأفراد ثم تُعفي النظام. المطلوب أن نرى في ملف إبستين، لا الفضيحة وحدها، بل المنهج. الرجل أُوقِف عام 2019 على خلفية تُهَم الاتّجار بالقاصرات والتآمر على ذلك، ثم مات في السجن لاحقاً، بينما حُكِم على شريكته غيسلين ماكسويل بالسجن عشرين عاماً عام 2022. هذه حقائق قضائية، لا تلميحات صُفراء. وحتى اللحظة، يعود الكونغرس الأميركي لفتح الملف ويستدعي وثائق من تَرِكة إبستين، في دلالة على أن السؤال المؤسّسي—من حمى الشبكات؟ ومن استفاد منها؟—لا يزال مُعلّقاً على أبواب الدولة العميقة. إنّ التُهَم والأحكام واللجان لا تكفي بذاتها، لكنها تؤكّد أن “الاستثناء” صار نظاماً حين تُصبح الأجساد وملفّاتها ومَيلاتها عُملةً تفاوضية في سوق النفوذ.

ما يجعل البغاء السياسي ممكناً هو تسليع القرار العام عبر المال الأسود والرمادي. منذ حكم “Citizens United” عام 2010، صار تمويل الشركات للإنفاق السياسي “خطاباً محمياً” بموجب التعديل الأول، فتدفّقت أموالٌ هائلة عبر قنواتٍ أقل شفافية، وتحوّلت الانتخابات إلى مزادٍ لغويٍّ مُغلفٍ بالحقوق الدستورية. هذا لا يعني أن الفساد وُلد مع الحكم، لكنه غيّر ميزان القوى: صار الصوت الأعلى لمن يملك الميكروفون الأكبر. إننا لا نتحدّث عن نظريّات مؤامرة، بل عن بنية قانونية سمحت بترسيخ “سوق السياسة”.

وإذا كان القانون قد فتح الباب، فإن الصناعة أدارت الداخل. أرقام جماعات الضغط تكفي لتصوير المشهد: ملياراتٌ تُنفَق سنوياً على التأثير في الكونغرس والوكالات، وقوائم “أعلى المنفقين” تكشف كيف تحوّلت قطاعات بأكملها—العقار، والصيدلة، والطب، والطاقة—إلى لاعبين دائمين في صياغة التشريعات. حين تدفع جمعية وطنية واحدة عشرات الملايين في عام انتخابي واحد، فهل نحتاج حقاً إلى خيالٍ إضافي لنعرف أين تُصاغ الأولويات؟ السياسة هنا ليست حواراً عمومياً بين مواطنين، بل علاقة مدفوعة الأجر بين مموّلين ومشرّعين.

لكن البغاء السياسي لا يقف عند حدود صناديق الاقتراع. إنه يقترن بسياسة استرقاقٍ حديثة الطراز: استرقاقٌ بلا سلاسلٍ مرئية. في الداخل الأميركي، يكفي أن نتأمّل “دولة السجون”: أكثر من 1.25 مليون نزيل في السجون عام 2023 وفقاً للأرقام الرسمية، مع منظومة عملٍ قسريٍّ منخفض الأجر وثّقتها تقارير حقوقية مستقلّة. تلك العمالة تُبقي السجون تعمل وتؤمّن خدمات للقطاع العام أحياناً، لكنّ أجورها الزهيدة وقيودها تُبقي العامل أسيراً مرتين: خلف القضبان وداخل السوق. ها نحن أمام مفارقة: تُجرَّم أجساد الفقراء ويُعاد تدويرها كقوة عملٍ رخيصة لصيانة نظامٍ يدّعي تحرير السوق. هذه هي “سياسة الاسترقاق” في نسختها النيوليبرالية: تُحصي الأجساد بالدقيقة، وتشتري الصمت بالبؤس.

وفي الخارج، تتجلّى السياسة نفسها بأدواتٍ أخرى: العقوبات الأحادية بوصفها “قوة قسر”، تُعاقِب حكوماتٍ فتخنق مجتمعات بأكملها، وتُخضع الاقتصادات لمساطر امتثالٍ لا ترحم. وجود مُقرّرة خاصة في الأمم المتحدة تُعنى بتأثير “التدابير القسرية الانفرادية” على حقوق الإنسان ليس تفصيلاً إجرائياً؛ إنه اعترافٌ أممي بأننا أمام ممارسة تُنتج تبعيةً تكنولوجية ودوائية وغذائية، وتُحوِّل الوصول إلى الضروريات إلى امتيازٍ سياسي. كل هذا يُسوَّق خطابياً بوصفه “أداةً للديمقراطية”، فيما الحقيقة أنها أداةٌ للتطويع.

على المستوى العالمي، تُظهر تقديرات “مؤشر العبودية العالمية” لعام 2023 أنّ خمسين مليون إنسان يعيشون أشكالاً من العبودية الحديثة. ليست الولايات المتحدة وحدها في قفص الاتّهام، لكنّ منظومتها المالية والقانونية والإعلامية—حين تُصدَّر كـ“نموذج”—تشارك في تعميم منطق السوق الذي يُخضع الإنسان من باب “الاختيار الحرّ” فيما تُغلق أمامه أبواب البدائل. العبودية اليوم لا تحتاج أسواق نخاسة؛ يكفي أن تترك السوق نفسها بلا قيد.

ولبنان؟ إنّ البلد الذي دُهس تحت هندساتٍ مالية، وتُركت ودائع أهله في عتمة المصارف، وجرّب مرّتين طعم النيوليبرالية من غير قفّاز: مرةً في العمران المسعور الذي حوّل المدينة إلى عقارٍ معروض، ومرةً في سياسة “التعويم” التي تدفع الأكثر هشاشة إلى الهجرة أو التسوّل أو الجَزْر داخل طوائفهم. حين يهبط علينا أصحاب العلاقات الثقيلة في بيوت السلطة العالمية ليصنعوا من بيروت “منصة علاقات عامة”، وحين تُقام الولائم للصور التذكارية أكثر مما تُقام للعدالة—من الميناء المنكوب إلى القضاء المنكفئ—نكون قد حوّلنا المدينة إلى مرآةٍ أخرى للبغاء السياسي: تُعرض فيها الذكريات للبيع، وتُستَأجر فيها الرموز ساعة الوقت. لا يحتاج الأمر إلى شيطنة أشخاص بعينهم؛ المشكلة في المنظومة التي تسمح بتسليع كل شيء: البحر، والسماء، واللغة، وحتى الدم.

فما العمل؟ بدايةً، أن نعيد تعريف السياسة كحراسةٍ للمشترك لا كسمسرةٍ على الهوامش. هذا يعني في الخارج مقاومة “استراتيجية الاسترقاق” التي تتخذ شكل عقوباتٍ تُعاقِب الفقراء أكثر مما تُربك المستبدين، وأن نطالب بحقوق الوصول إلى الدواء والتكنولوجيا والغذاء كحقوقٍ عالمية لا كامتيازاتٍ مرهونة بالموقف السياسي من القوة العظمى. ويعني في الداخل تفكيك اقتصاد النفوذ: ضبط التمويل السياسي، كسر احتكار جماعات الضغط، وتجفيف موارد “العمل القسري” القانوني المقنّع. الإصلاح هنا ليس وعظاً، بل هندسةُ قوّة مضادة: نقاباتٌ حية، إعلامٌ حرّ، قضاءٌ مستقل، ومجتمعٌ مدنيٌّ لا يتسوّل التمويل على بوابات المنظومة التي يريد تفكيكها.

أما في لبنان، فالخطوة الأولى هي نصب “ميثاق كرامة” بسيط وواضح: لا استقبال لأي حدثٍ أو زيارةٍ أو عرضٍ يُبيّض الاستعمار أو يختبر ردة فعل الشارع على “تطبيعٍ بالتسلل”. لا صفقات عمرانية تُحوّل المدينة إلى بطاقة بريدية لمن يدفع أكثر. لا خلط بين الإنقاذ المالي وبين تسويق البلد كملاذٍ رمزيّ لمن يحتاج غسيل صورته. بيروت تستحق أن تُصان لا أن تُستَأجر. ومن أراد أن يكرّم المدينة فليبدأ من حقّ أهلها باسترداد ودائعهم، ومن كشف حقيقة دمائها، لا من قصّ شريطٍ في حفلةٍ على واجهة البحر.

قد يقول قائل: “أنتم تُفرِطون في اللغة”. نعم، لأن اللغة هنا ليست زينة؛ إنها أداةُ دفاع. حين نسمّي الأشياء بأسمائها—بغاءً سياسياً واسترقاقاً حديثاً—نفتح الباب لإعادة توزيع المعنى قبل إعادة توزيع الثروة والسلطة. ليس المطلوب تطهير العالم من الرغبة، بل تحرير الرغبة من الابتزاز؛ ليس المطلوب أن نصنع “قوائم عار” جديدة، بل أن نغلق أسواق العار نفسها. وفي زمنٍ تُباع فيه الحقيقة بالجملة وتُشترى بالمزاد، تبقى السياسة التي تليق بالبشر هي تلك التي تقيّم الإنسان بصفته غايةً لا وسيلة، مواطناً لا زبوناً، شريكاً لا سلعة.

إنّ ما يجمع بين جزيرة إبستين، وممرّات جماعات الضغط، وعنابر السجون، وغرف المقايضة الدبلوماسية، هو خيطٌ واحد: تحويل الجسد—جسد الفرد وجسد المجتمع—إلى مادة تفاوض. قطع هذا الخيط لا يكون بالصراخ على الوجوه، بل ببناء مؤسساتٍ تحمي الوجه من أن يُصبح قناعاً. يومها فقط، لن تُذكّرنا وجوه الزعماء بجزر العار، بل ببرّ الكرامة.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com