
كتب شوقي عواضة في “البناء”:
ثمّة مشاهد متراكمة وراسخة في ذاكرتي الجنوبيّة استدعتني لمراجعتها وكأنّها فيلمٌ قصيرٌ يوثّق كلّ معاناة الجنوب والوطن. ولكي لا تضيع ذاكرتنا المليئة بحكايات النّكسات والتّضحيات والانتصارات التي ما زادتنا إلّا صلابةً واتقاداً وثوريّةً عبر التّاريخ في وطنٍ يسعى البعض فيه إلى محو تاريخه وسلب هويّته وقطع جذوره وتشويه شرفائه وتكريم سفهائه، ومحاربة مقاوميه وتقدير جلاديه، عادت بي الأيّام وحملتني في مثل هذه الأيّام إلى عام 2006 جنوباً، من قانا الأبية إلى عيتا الشّعب بوابة الوطن وبنت جبيل العصيّة على العدو ثمّ مارون الراس التي أذلّت نخبة جيش العدوّ على أعتابها، إلى عيترون ووادي الحجير حيث مجزرة الميركافا، إلى الخيام والطّيبة وكلّ قرى المواجهات حيث هامات الرّجال كانت ثابتةً كالجبال، وحيث قبضاتهم هشّمت صورة الجيش الذي قيل يوماً إنّه لا يقهر، وسجّلت انتصاراً لكلّ لبنان في زمن الرّدّة الذي قيل فيه عن المقاومين بأنّهم مغامرون، زمن الأعراب المتخاذلين الذين اهتزّت عروشهم بانتصار المقاومة واستراتيجيّة العهد المقاوم عهد الرّئيس العماد إميل لحود الذي أرسى استراتيجيّة الشّعب والجيش والمقاومة فكان الانتصار.
اليوم وبعد 25 عاماً من تحرير الشّريط المحتلّ التي قاد فيها الرّئيس إميل لحود معركة انتزاع 18 مليون متر مربع بقيت تحت الاحتلال الاسرائيليّ من خلال وفدٍ عسكريّ من الجيش اللّبناني برئاسة العميد المقاوم الرّاحل أمين حطيط ومواقف دولة الرّئيس الرّاحل الدكتور سليم الحصّ دون أن يأبهوا أو يرضخوا لتهديداتٍ إسرائيليّةٍ أو أميركيّةٍ بل إنّ موقف الرّئيس لحود التّاريخي والاستثنائي في وجه وزيرة الخارجيّة الأميركيّة مادلين أولبرايت حين حاولت ثنيه عن موقفه الرّافض للاعتراف بالقرار الدّولي بالانسحاب دون انتزاع باقي الأراضي المحتلّة، حينها غيّرت لهجتها الدّيبلوماسيّة وقالت له مستر لحود هل تعلم بأنّك تخاطب وزيرة خارجيّة الولايات المتحدة الأميركيّة؟ ليأتيها الرّدّ السّيادي قولاّ وفعلاً بقوله وهل تعلمين أنّك تخاطبين رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة وأنهى المكالمة دون أيّ تردّد. موقف لم يجرؤ عليه أيّ حاكم أو أمير أو ملك عربي. فأين سياديّو اليوم من سيادة الرّئيس إميل لحود؟ وأين عنفوانهم من عنفوان الرّئيس سليم الحص؟ وأين جرأتهم من جرأة وزير الخارجيّة الأسبق محمود حمود الذي استدعى السّفيرين الأميركيّ والفرنسيّ على خلفية تصريحاتهم بشأن قضية إقفال قناة المرّ؟
من يجرؤ اليوم من أدعياء السّيادة على وضع حدٍّ للتدخلات الأميركيّة السّافرة لا بل على توجيه ملاحظاتٍ للموفدين الأميركيّين وغيرهم؟ بالرّغم من كلّ ما حصل سابقاً واليوم أثبتت المقاومة جدواها وفعاليتها في مواجهة العدوّ، فبعد انتصار عام 2006 واعتراف لجنة فينوغراد وكبار قادة العدوّ السياسيّين والعسكريّين بالهزيمة بعد حرب 33 يوماً إذ واجهت المقاومة أشرس حرب كونيّة مدعومة
أميركيّاً وغربيّاً على مدى 66 يوماً منعت العدوّ من التقدّم الذي لم يحقّقه إلّا بعد توقيع تفاهم وقف إطلاق النّار، وبالتّالي فإنّ صمود المقاومة على مدى شهرين وأكثر، ومنع العدوّ الاسرائيليّ من التقدّم في ظلّ عمليّة تفجير البيجرات واللاسلكي التي نفّذها العدوّ، واغتيال قائد المقاومة سماحة شهيد الأمّة السّيّد حسن نصر الله وكبار القادة، فإنّ ذلك الصّمود هو انتصارٌ كبيرٌ في الموازين العسكريّة.
وبالرّغم من كلّ الضّربات خرجت المقاومة ورصّت صفوفها فأعادت ترميم بنيتها، وما عجز العدوّ عن تحقيقه في عدوانه يريد أن يحقّقه بالمفاوضات وبفرض ورقة توم برّاك التي هي في الأصل ورقةٌ إسرائيليّةّ محض، وبالتالي فإنّ إقدام الحكومة على اتّخاذ قرارٍ بنزع سلاح المقاومة إنّما يمثّل انكشافاً أمنيّاً وعسكريّاً للبنان بل هو شرعنة للاعتداءات الاسرائيليّة التي ما زالت مستمرةً منذ التّوقيع على وقف لإطلاق النّار.
أمّا المقاومة التي بُنيت بإرادة النّاس وكبرت وعظمت بتضحياتهم ودماء الشّهداء فلا تلغيها قرارات الأمم مجتمعة وسلاحها باقٍ بقاء قرارات أميركا والعدوّ الاسرائيلي بعدم تسليح الجيش اللبنانيّ، وكما يقول الجنرال المقاوم فخامة الرئيس إميل لحود فإنّ المقاومة ضدّ الاحتلال الاسرائيليّ كانت وستبقى حقاً شرعيّاً لكلّ اللّبنانيّين، وهي التي أعادت الأرض وكرامة الشّعب وإنّ سلاح المقاومة يجب أن يُنظر إليه من منظور الدّفاع عن الوطن، وليس من منظور إملاءاتٍ خارجيّةٍ، فالمصلحة الوطنيّة أولاً ومن يستهين بقدرة المقاومة أو يحاول فرض نزع سلاحها بالقوّة، يهدّد كلّ الإنجازات التي تحقّقت بدماء اللبنانيّين وإنّ تحرير الأراضي اللّبنانيّة من الاحتلال هو انتصارٌ لكلٌ اللبنانيّين، ويجب أن يكون هذا النّصر مكملاً للبناء الوطنيّ وليس فقط حدثاً عابراً، فالانتصار على العدو لا يكتمل إلّا بحماية الإنجاز سياسيّاً وعسكريّاً، إلّا فإنّ كلّ الدّماء التي أُريقت ستكون بلا قيمة وأيّ نقاش حول الأمن اللبنانيّ يجب أن يتمّ بين اللبنانيّين، وأيّ تدخل أميركي تحت ذرائع دوليّة يجب أن يُرفض إذا كان على حساب استقلالنا…