
كتب حسن حردان في “البناء”:
بعد قرار الحكومة اللبنانية تكليف الجيش وضع خطة لتسلّم سلاح المقاومة، ما هي تداعيات وانعكاسات ذلك على الاستقرار الداخلي.. وهل هناك قرار أميركي بوضع لبنان أمام خيارين: الاستسلام للشروط الإسرائيلية، او تفجير فتنة داخلية لبنانية ـ لبنانية. وما هو السبيل لدرء هذين الخطرين؟
أولاً، تداعيات قرار الحكومة اللبنانية بتكليف الجيش:
1 ـ الأبعاد السياسية: يقدّم هذا القرار على أنه خطوة نحو تطبيق سيادة الدولة على كامل أراضيها، مع العلم انّ المقاومة هي من مكّن الدولة وقواها ومؤسساتها من استعادة سيطرتها على المناطق الجنوبية التي حرّرتها المقاومة عام 2000، وبالتالي فإنّ المقاومة لم تكن عائقاً أمام بسط سلطة الدولة على أراضيها، وإنما الاحتلال الصهيوني.. ولهذا فإنّ قرار سحب سلاح المقاومة، تحت عنوان بسط سيطرة الدولة، إنما هدفه التغطية على رضوخ الحكومة للضغط الأميركي…
فقرار الحكومة في جوهره جاء تحت ضغط أميركي بصيغة إنذار أخير وجّهه المبعوث الرئاسي توم برّاك الى المسؤولين اللبنانيين لوضع مهل زمنية لحصر سلاح المقاومة بيد الدولة تنتهي في آخر السنة، كشرط مسبق لتقديم القروض من البنك الدولي، والدول المانحة الى لبنان لمساعدته على النهوض من أزماته الاقتصادية والمالية المزمنة، والتي فاقم منها الحصار الاقتصادي الأميركي الذي استهدف منذ البداية تجريد لبنان من سلاح مقاومته، وخصوصاً الصواريخ الدقيقة التي تشكل خطراً على أمن كيان الاحتلال الإسرائيلي.
2 ـ التأثير على الاستقرار الداخلي: يثير هذا القرار سؤالاً ملحاً حول ما إذا كان هناك قرار أميركي يريد دفع لبنان الى أتون الفتنة الداخلية، لأنّ واشنطن تعرف جيداً انّ المقاومة لا يمكن ان تسلّم سلاحها طالما هناك احتلال لأرض الجنوب، واعتداءات وانتهاكات يومية للسيادة، يقوم بها العدو الصهيوني، عدا عن أطماعه التوسعية في لبنان والتي يحول دونها وجود مقاومة مقتدرة، وفي حال سحب سلاح المقاومة وتدميره، كما تريد أميركا و»إسرائيل»، فإنّ لبنان يصبح مستباحاً ومكشوفاً أمام «إسرائيل» وخططها التوسعية وأطماعها، تماماً كما حصل في سورية على اثر تدمير القدرات التسليحية للجيش السوري بعد سقوط نظام الرئيس بشار الأسد… لذلك من يرى أنّ سحب سلاح المقاومة هو الطريق الوحيد لإرساء الاستقرار وتحقيق السيادة الوطنية، إنما يجافي الحقيقة ويزرع وهماً.. إذا لم نقل انّ البعض يريد التخلص من المقاومة، في إطار تماهيه مع المطالب الأميركية الإسرائيلية، على غرار ما حصل خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 عندما سارع الحكم الوليد في ظلّ الاحتلال الى التوقيع على اتفاق الذلّ والإذعان، اتفاق 17 ايار، الذي لبّى شروط الاحتلال.. والذي أسقطته انتفاضة ومقاومة الشعب اللبناني.
3 ـ موقف حزب الله: يعتبر حزب الله أنّ سلاحه جزء من «المقاومة» ضدّ الاحتلال الإسرائيلي، ويؤكد أنّ البحث في حصرية السلاح يجب أن يكون، بعد رحيل الاحتلال الصهيوني عن الأراضي اللبنانية، ووقف اعتداءاته، جزءاً من حوار وطني شامل واستراتيجية دفاعية تؤمّن الحماية للبنان من الخطر الصهيوني، وليس نتيجة لضغوط خارجية أميركية تريد تجريد لبنان من سلاح القوة الذي يملكه في مواجهة الاحتلال الصهيوني. وقد أعلن حزب الله رفضه تسليم السلاح تحت ضغط خارجي.
ثانياً، القرار الأميركي بوضع لبنان أمام خيارين:
الضغوط الأميركية: تمارس الولايات المتحدة ضغوطاً مكثفة على الحكومة اللبنانية لإصدار قرار رسمي «بنزع سلاح» حزب الله المقاوم، وتعتبر هذا القرار شرطاً لاستئناف المحادثات حول وقف الاعتداءات الإسرائيلية.. مما يشكل تجاوزاً للقرار 1701 الذي طبّقه لبنان في جنوب الليطاني، فيما رفضت «إسرائيل» تطبيق الشق المتعلق بها، لناحية انسحابها من الأراضي التي تحتلها، ووقف اعتداءاتها، وإطلاق الأسرى اللبنانيين…
الخيار الأول: الاستسلام للشروط الإسرائيلية: يتضمّن هذا الخيار نزع سلاح حزب الله المقاوم وتلبية مطالب «إسرائيل» الأمنية في الجنوب، مقابل وقف الهجمات الإسرائيلية والانسحاب من بعض المناطق الحدودية.
الخيار الثاني: الفتنة الداخلية: انّ الضغوط الأميركية والإسرائيلية تهدف إلى تعميق الانقسام اللبناني اللبناني، وربما إشعال فتنة داخلية، إذا لم يستجب لبنان لمطالب تجريد المقاومة من سلاحها. ولا يخفى أنّ هذه الضغوط قد تؤدي إلى تفجير صراع داخلي يخدم المصالح والمخططات الإسرائيلية.
ثالثاً، الموقف اللبناني: هناك انقسام في لبنان حول كيفية التعامل مع هذه الضغوط. الأحزاب والقوى الوطنية والعديد من الفعاليات الوطنية، وفي الطليعة المقاومة، ترى أنّ الحلّ هو في التفاهم الداخلي ورفض الوصاية الأجنبية، وعدم الخضوع والاستسلام للإملاءات الأميركية الإسرائيلية، بينما ترى أطراف أخرى أنّ تجريد المقاومة من سلاحها، ضرورة لحماية لبنان من التصعيد الإسرائيلي والعقوبات الدولية.. لكن التجارب كلها أكدت انّ الرضوخ للشروط الأميركية الإسرائيلية لن يؤدي الى تحرير الأرض من الاحتلال وتحقيق السيادة وحماية لبنان، وإنما الى جعل لبنان مستباحاً من «إسرائيل» وأطماعها التوسعية في أرضه وثرواته، عدا عن انّ الاستجابة لهذه الضغوط الأميركية، ومحاولة وضع الجيش في مواجهة المقاومة، سيقود الى تفجير فتنة داخلية لا يستفيد منها سوى العدو الصهيوني, الذي هلّل، عبر قنواته التلفويونية وصحفه، لقرار الحكومة اللبنانية، واعتبره نقطة تحوّل دراماتيكية.. ولهذا على اللبنانيين إدراك مخاطر الانزلاق الى مثل هذه الفتنة، والاستفادة من دروس وعبر الحرب الأهلية عام 1975، والفتن التي أشعلها العدو الصهيوني، خلال احتلاله للبنان.. وبالتالي رفض الاستسلام للشروط الأميركية الإسرائيلية، والتوحد على قاعدة المصلحة الوطنية اللبناتية في رفض الفتنة، وعدم التخلي عن سلاح القوة الذي يملكه لبنان المتجسّد، بمعادلة «الجيش والشعب والمقاومة»، لتحرير الأرض المحتلة، ودرء الخطر الصهيوني، وحماية لبنان من ضمن استراتيجية أمن وطني يكون سلاح المقاومة جزءاً منها…