
كتب عمر البردان في “اللواء”:
في الوقت الذي ينتظر لبنان عودة المبعوث الأميركي توم براك في الأسبوعين المقبلين، فإن المشاورات بين كبار المسؤولين مستمرة، من أجل بلورة الرد اللبناني على الورقة التي سبق أن سلمها المسؤول الأميركي في زيارته السابقة . ورغم الأجواء الضاغطة التي تحيط بهذا الموضوع، فإن لبنان واستناداً إلى ما توافر من معلومات بهدا الشأن، سيؤكد في رده التزامه تسلم السلاح غير الشرعي، لكن دون تحديد جدول زمني، انسجاماً مع ما جاء في مضمون خطاب القسم والبيان الوزاري . وإذا كان المبعوث الأميركي براك لم يحدد صراحة موعداً زمنياً لسحب سلاح “حزب الله”، إلا أن المسؤولين يتعاطون بأقصى الجدية في ما يتصل بهذا الموضوع . باعتبار أنهم يضعون مصلحة البلد أولوية على ماعداها، إضافة إلى لبنان يدرك عواقب تجاهله للمطالب الدولية على هذا الصعيد . لكن في الوقت نفسه فإن وفقاً لما رشح عن أجواء المشاورات الجارية بين أركان الحكم، وفي ضوء ما صدر من مواقف على لسان قيادات “حزب الله”، فإن ملف السلاح سيكون مرتبطاً بالانسحاب الإسرائيلي النهائي من جميع الأراضي اللبنانية . أي أن لبنان لن يقوم بالتزاماته في ما يتعلق بجمع السلاح، في حال لم يحصل على تعهد إسرائيلي وأميركي بانسحاب جيش الاحتلال من النقاط التي يحتلها . إلى جانب تمسك لبنان ببقاء قوات الطوارئ الدولية في منطقة ال1701، انطلاقاً من الحرص على استمرار التنسيق مع الجيش اللبناني، لتنفيذ مضمون اتفاق وقف إطلاق النار الذي لم تلتزم به إسرائيل . وهذا ما أكد عليه رئيس الحكومة نواف سلام الذي اعتبر أنه “لا يمكن تحقيق الاستقرار في لبنان طالما استمرّت الانتهاكات الإسرائيلية، وبقي الاحتلال قائمًا لأجزاء من أرضنا، وأسرانا في سجون العدو”. وعلى هذا الأساس يكثف لبنان، وفقاً لما قاله سلام، ضغوطاته السياسية والدبلوماسية لتنفيذ القرار 1701، وإعادة إعمار ما دمّره العدوان. في موازاة مواصلة الدولة، انسجامًا مع اتفاق الطائف والبيان الوزاري جهودها لبسط سلطتها الكاملة على جميع أراضيها بقواها الذاتية، بهدف حصر السلاح في يدها وحدها.
وإذ يدرك العهد مدى الانعكاسات التي قد تفرض نفسها على لبنان، نتيجة التطورات الأخيرة في المنطقة، فإنه يعمل في المقابل على توظيف الدعم العربي والدولي في تركيز دعائم المؤسسات السياسية والأمنية، في إطار الحرص على كسب المزيد من الثقة الخارجية . وهذا من شأنه أن يساعد لبنان على الحصول على المساعدات التي سبق وطلبها من المجتمعين العربي والدولي . وإذ عكست خطوات السلطة في إطار تفعيل عمل المؤسسات ، ارتياحاً داخلياً وخارجياً، في إطار بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، فإن الجهود الرسمية منصبة على ترجمة قرار الحكومة بحصر السلاح بيد الجيش اللبناني والقوى الأمنية الشرعية، انطلاقاً مما جاء في خطاب القسم، وفي طيات البيان الوزاري . وعلى هذا الأساس سيضع المسؤولون الموفد الأميركي عند عودته إلى بيروت، في خلاصة ما تم التوافق عليه بشأن ملف السلاح، انطلاقاً من القرار الواضح للحكومة ببسط سلطتها على كامل أراضيها. كذلك الأمر فإن هذا الموضوع سيشمل أيضاً السلاح الفلسطيني داخل المخيمات، بعد تسلم الجيش اللبناني لجميع المراكز الفلسطينية خارج المخيمات ومصادرة أسلحتها . وإذا كان جرى تجاوز التواريخ التي حددت، إلا أن القرار اللبناني حازم في تسلم كل السلاح الفلسطيني على الأراضي اللبنانية .
وتأتي خطوة السير بمعالجة ملف السلاح، بشقيه اللبناني والفلسطيني، توازياً مع مزيد من الإجراءات التي سيباشر لبنان باتخاذها مع الجانب السوري، لإيجاد حل لمسألة ترسيم الحدود البرية ، سعياً لمنع التهريب على مختلف أنواعه، وفي محاولة لإشاعة المزيد من أجواء الطمأنة والاستقرار لسكان المناطق الحدودية . وإذ من المتوقع ألا يغيب هذا الموضوع وغيره، عن المحادثات التي سيجريها مفتي الجمهورية الشيخ عبداللطيف دريان مع الرئيس السوري أحمد الشرع، السبت المقبل في دمشق، فإنه كشف النقاب عن إمكانية عقد اجتماعات أمنية بين الجانبين اللبناني والسوري، للبحث في سبل الترسيم الحدودي . وهذه الاجتماعات تأتي استكمالاً لما تم التوافق عليه في الرياض بين الوفدين اللبناني والسوري برعاية سعودية، من أجل حل كل النقاط العالقة على جانبي الحدود . وهو أمر فيه مصلحة لكلا الطرفين، ومن شأنه معالجة الإشكالات الحدودية المزمنة بين لبنان وسورية، سيما ما يتصل بعمليات تهريب الأسلحة والمخدرات على أنواعها .
وإذ يعتبر المسؤولون أن إعادة بناء الجسور مع الأشقاء والأصدقاء تشكل مدخلاً لفتح صفحة جديدة مع المحيط، لا زال لبنان يولي هذا الجانب أهمية استثنائية، وهو ما شدد عليه الرئيس سلام، بالتأكيد على أن اتخاذ قرار بإعادة وصل لبنان بعمقه العربي، هدفه استعادة موقعه الطبيعي كشريك فاعل في مسارات التنمية، وتنشيط التجارة البينية، وجذب الاستثمار، والانخراط مجددًا في ديناميكيات التعاون الإقليمي. ومن هنا فإن الزخم العربي والدولي تجاه لبنان، والذي ساهم في توفير المناخات التي ساعدت في إنجاز الاستحقاقات السياسية اللبنانية، هو الذي سيحدد طبيعة عناوين المرحلة المقبلة ، وما هي الأولويات الأساسية التي تنتظرها مسيرة العهد الجديد . ويظهر بوضوح أن الحكومة اللبنانية تضع في سلم أولوياتها، ضرورة تكثيف الجهود من أجل دفع الاحتلال للانسحاب من جميع الأراضي اللبنانية، في وقت يترقب لبنان مآلات ما يحكى عن جهود أميركية لوقف إطلاق النار في غزة، وما يتصل بإمكانية عودة الحوار الأميركي الإيراني بشأن الملف النووي، وانعكاس كل ذلك على لبنان .