بقلم: العميد مالك أيوب
منذ الضربة الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة فجر الحادي والعشرين من حزيران ضد منشآت فوردو ونطنز وأصفهان النووية، تلوح في الأفق فرضية سياسية – عسكرية غير معلنة، قوامها أن واشنطن وطهران تبادلتا رسائل غير مباشرة، تم بموجبها تنفيذ ضربات محسوبة لا تُفضي إلى حرب، بل تُستخدم كأدوات توازن وردع متبادل. المراقب لتطورات الساعات الماضية يلاحظ غياب صور تثبت دمارًا فعليًا للمنشآت المستهدفة، رغم أن بعضها شديد التحصين ويقع على عمق كبير كما في فوردو. في المقابل، جاء الرد الإيراني باستهداف قاعدة العديد في قطر وقواعد في العراق من دون تسجيل قتلى أو أضرار جسيمة، وسط تقارير تفيد أن القاعدة كانت شبه خالية من الطائرات والجنود قبل الضربة بيومين، على غرار ما حدث في قاعدة عين الأسد في العراق بعد اغتيال قاسم سليماني عام 2020.
السيناريو الأقرب إلى المنطق هو أن الإدارة الأميركية، وتحديدًا الرئيس ترمب، سعى إلى توجيه ضربة تحفظ هيبة واشنطن أمام ضغوط إسرائيل التي فشلت وحدها في كسر إيران عبر عملية “الأسد الصاعد”، وتُرضي في الوقت ذاته الأصوات الداخلية المتشددة، من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة في الخليج. ومن جهة طهران، بدا واضحًا أن الرد كان مدروسًا وموجهًا لحفظ ماء الوجه داخليًا، وتوجيه رسالة قوية دون تجاوز الخطوط الحمراء الأميركية.
وقد جاء تصريح عاجل قبل قليل على لسان مسؤول في البيت الأبيض ليعزز هذا السيناريو، حيث أكد أن “الرد الإيراني كان متوقعًا”، وأن الرئيس ترمب “لا يريد المزيد من الانخراط العسكري في الشرق الأوسط”. هذا التصريح، الصادر في ذروة التوتر، لا يعكس مجرد قراءة تحليلية، بل يُفهم منه ضمنيًا أن واشنطن ربما كانت على دراية بمستوى الرد مسبقًا، أو أنها تلقّت إشارات واضحة عبر قنوات خلفية. كما يؤكد أن ترمب ينظر إلى الضربة الأميركية باعتبارها ضربة موضعية لا بوابة لحرب ممتدة، بل وسيلة لتخفيف الضغط الداخلي ورد الاعتبار أمام الحليف الإسرائيلي.
كلا الطرفين خرج بما يعتبره “نصرًا تكتيكيًا”: ترمب أثبت أنه لا يتساهل مع النووي الإيراني، بينما ظهرت طهران بمظهر القوة القادرة على الرد حتى داخل قواعد أميركية في الخليج. لكن في جوهر الحدث، لا دمار كبير في المنشآت النووية، ولا خسائر بشرية في صفوف الأميركيين، ولا اندفاع إلى التصعيد المفتوح. هذه المعادلة لا يمكن أن تكون وليدة الصدفة، بل يرجّح أنها ثمرة تفاهم غير معلن عبر وسطاء إقليميين كقطر أو تركيا أو حتى عُمان.
اللافت أيضًا هو الصمت الروسي، الذي يُفسَّر على أنه رضا ضمني طالما أن الضربة لم تؤدِّ إلى حرب كبرى تُخرِج موسكو من حسابات شرق المتوسط. أما الصين، التي تعتمد بنسبة 41% على مرور النفط الخليجي عبر مضيق هرمز، فمارست ضغطًا هادئًا على طهران لضبط إيقاع الرد، ما سمح بضمان أمن الملاحة وعدم تعطيل سلاسل الإمداد.
في المحصلة، قد نكون أمام نموذج معقّد من التصعيد المُدار: ضربة تُنفذ لإرسال رسالة لا لتغيير قواعد اللعبة، وردّ يُنفذ لتأكيد الحضور لا لكسر التوازن. وحين تكون النيران مُسيّسة إلى هذا الحد، فلا غرابة أن نكتشف لاحقًا أن ما لم يُقصف أهم مما تم قصفه، وما لم يُقال أهم مما قيل.
