كتب ألبير خوري

سريعاً جداً، بادرت جمعية المصارف اللبنانية الى “طرق الحديد وهو بعد ساخناً. جنّدت كل أبواقها الدعائية وأسلحتها القانونية والسياسية لمواجهة القرار الذي اتخذه المدعي العام المالي علي ابراهيم بمنع عشرين مصرفاً ورؤساء مجالس إداراتها من التصرّف بممتلكاتهم الخاصة والبنكية.. قرار لم يستنفر اصحاب المصارف حصراً، بل شركاؤهم من سياسيين ورجال أعمال وضعوا القرار بـ”الانقلابي” كما ذكر رئيس الحكومة السابق سعد الحريري الذي غرّد على حسابه على “تويتر”، لافتاً الى أن القرار “الإبراهيمي” وضع اليد على المصارف “هو انقلاب حقيقي على النظام الاقتصادي اللبناني الحر، وخطوة صاعقة تعيد لبنان الى زمن الأنمة الشمولية”.. وليس بعيداً عن موقف الحريري، غرّد رئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط الذي اعتبر القرار دعوة “الى دفن لبنان الكبير عن مناسبته المئوية”، في حين اعتبر النائب ووزير الداخلية السابق نهاد المشنوق أن القرار “إعلان حرب عديم المسؤولية مع المصارف، وفي ذروة خوف الناس على ودائعها وانخفاض سعر صرف العملة الوطنية، من خلال بيان مبهم أشبه بالبيان رقم واحد في الانقلابات العسكرية”.. لكن الأشد تأثيراً أن يكون رئيس الجمهورية ميشال عون أول الداعين للتصدي لقرار إبراهيم، أكان بتسييه أم بتمييعه، واضعاً دياب في إطار “حرتقة من رئيس مجلس النواب نبيه بري للإطاحة بالعهد”، الأمر الذي نفاه الرئيس بري جملة وتفصيلاً، وأكّد في بيان صدر عن مكتبه الإعلامي أن الرئيس بري “لم ولن يتدخل في عمل القضاء في يوم من الأيام، وكل الأخبار التي تحدثت عن أنه يقف وراء القرار غير صحيحة جملة وتفصيلاً”.
وسط هذه التحضيرات وما يناقضها، يصح السؤال: هل كان يقدم المدعي العام المالي علي ابراهيم على اتخاذ قراره الجريء والأول من نوعه منذ قيام الجمهورية اللبنانية، وبناء أول مصرف في بيروت، ولو لم يكن مدعوماً من جهات سياسية؟ أو أنه بادر وفقاً لصلاحياته وما ينص عليه قانون النقد والتسليف، الى اتخاذ قرار يجرؤ عليه كثيرون من قبل؟.. وتالياً هل كان يجرؤ المدعي العام التمييزي غسان عويدات، إصدار قانون بتجميد قرار المدعي العام المالي علي ابراهيم، ولو لم يحظ هو الآخر بدعم من الرئيس عون وإصراره على طيّ قرار إبراهيم، ومبادرة رئيس الحكومة ليل أمس الى ابلاغ عويدات بأنه “بعد قرار المدعي العام المالي، بدأت المصارف العالمية بإخراجنا من النظام المالي العالمي، وهذا القرار يجب التراجع عنه”.. لكن مصادر حكومية أكدت أن دياب كشف عن ثغرة قانونية في القرار يجب معالجتها، وطلب من عويدات تعديل القرار وفق هذه المعطيات لا إلغاءه أو التراجع عنه، لافتاً الى أن من شأن الاستمرار في قرار ابراهيم “إدخال البلاد في الفوضى”.
نجحت المصارف في تجميد قرار النائب العام المالي علي ابراهيم، كخطوة أولى تحضيراً لإلغائه من التداول والعمل به، ما يؤكد أن القطاع المصرفي اللبناني هو “دولة فوق الدولة”، اعتباراً من موقف رئيس الجمهورية أولاً، ومن معه من قيادات سياسية ومالية وقضائية، ما يكشف عن “علاقة مشبوهة” بين ملكية المصارف وقوى سياسية حيث لحماية البنوك بدلاً من حماية أموال المودعين الفقراء، وخصوصاً بعد الإجراءات غير القانونية التي اتخذتها بداية من احتجاز أموال المودعين، وصولاً الى التضييق في المعاملات المصرفية والتحويلات الى الخارج بعد تهريب أموال أصحاب المصارف وكبار المساهمين.
لقد جاء تجميد قرار علي ابراهيم حسماً مبكراً لمعركة تحديد الجهات المسؤولة على نهب الدولة وإفلاسها، وقد بات واضحاً أن الجهات السياسية التي استنفرت في وجه قرار ابراهيم، تريد أن تحمل الناس كلفة الدين العام ودفع اليوروبوند، وبالتالي إعفاء المصارف وكبار المودعين منها، على الرغم أنهم السبب الأول في الأزمة الاقتصادية المالية والانهيار الذي تواجهه البلاد، وما يستدعي بالتالي تتطلب مقاربة مختلفة جذرياً من النظام المصرفي اللبناني الذي حافظ على نهجه منذ قيامه، وصار أكثر بشاعة مع تماديه مع سوق الاستهلاك البشعة التي كرّسها النظام الرأسمالي العالمي.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com