تضج وسائل الإعلام العربية والدولية ومواقع التواصل الاجتماعي بموضوع توجيه ضربة أميركية إسرائيلية للمنشآت النووية الإيرانية، وسط تقارير عن إجلاء موظفين أميركيين غير رسميين من سفارة واشنطن في بغداد وبعض دول الخليج، إضافة إلى إخلاء قواعد عسكرية وترحيل عائلات جنود أميركيين، ورفع حالة التأهب في القواعد الأميركية المنتشرة في العراق والخليج. وفي المقابل، أعلنت إسرائيل حالة الطوارئ الداخلية تحسبًا لرد إيراني محتمل على أي هجوم، ما دفع البعض إلى الاعتقاد بأن المنطقة باتت على شفير مواجهة عسكرية وشيكة قد تُفضي إلى انهيار الاستقرار الإقليمي ، وذهب البعض الآخر إلى رسم سيناريوهات عسكرية لا تركب على قوس قزح الا في مخيلة الحاقدين على إيران.
إن مراجعة الوقائع الميدانية تُظهر أن كل هذه المؤشرات لا ترقى إلى مستوى التحضير لعمل عسكري واسع النطاق. فالولايات المتحدة لم تستقدم حاملات طائرات إضافية إلى مياه الخليج، ولم تأتِ بالقاذفات الاستراتيجية B-52 أو B-2 الى قواعدها في المنطقة، ولم تمد جسراً جوياً لنقل الجنود والعتاد كما درجت العادة قبل أي حرب . كذلك، لم تُسجل موافقات رسمية من دول محورية كالسعودية أو الإمارات أو قطر أو تركيا على استخدام أراضيها لتنفيذ ضربات عسكرية، وهي موافقات ضرورية لأي عملية هجومية واسعة على إيران.
الغياب الأوروبي عن مسرح العمليات أيضاً يُعد مؤشراً على أن المسألة لا تتجاوز حدود الضغط السياسي. بريطانيا وفرنسا وألمانيا، الشركاء التقليديون في الاتفاق النووي، لم يُصدروا أي مواقف تشير إلى استعدادهم للمشاركة في أي عملية عسكرية، بل يُبدون حتى اللحظة حرصاً على العودة إلى طاولة المفاوضات وتفادي التصعيد. كما أن التحركات الإسرائيلية رغم حالة الطوارئ، بقيت ضمن إطار التحصين الدفاعي الداخلي ولم تتعدّ ذلك نحو إشارات هجومية مباشرة.
ما يدفع إلى الاعتقاد أن كل هذه الضوضاء الإعلامية ليست سوى محاولة ضغط مكشوفة ومركّزة على إيران لتقديم تنازلات في ملفها النووي. وتحديداً في ما يتعلق بمسألتي تخصيب اليورانيوم داخل الأراضي الإيرانية، وبرنامجها الصاروخي الذي ترفض طهران حتى اللحظة إدراجه على طاولة النقاش. ويأتي ذلك في ظل تصعيد دبلوماسي تمثل ببيان صادر عن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية يحمّل إيران مسؤولية عدم الامتثال لالتزاماتها النووية، وهو ما رفضته طهران بشدة، واتهمت الوكالة بعدم الحياد والانحياز لصالح إسرائيل والدول الغربية. بل ذهبت أبعد من ذلك بكشف وثائق تثبت تعاوناً بين مدير الوكالة رفائيل غروسي والسلطات الإسرائيلية، بما يشمل نقل خرائط ومعلومات تقنية حساسة عن منشآت إيرانية إلى تل أبيب.
وفي ضوء ذلك، يصبح من المنطقي استنتاج أن ما يُبث حالياً عبر الإعلام الدولي والإقليمي يندرج في إطار التصعيد النفسي والإعلامي، أكثر مما يعكس نية حقيقية لدى الولايات المتحدة أو إسرائيل للذهاب نحو حرب مباشرة. فأي عملية عسكرية واسعة بهذا الحجم، ضد دولة بحجم إيران، لا يمكن أن تمر من دون استعدادات لوجستية ضخمة، وتحضيرات سياسية معقدة، وضوء أخضر من الحلفاء الإقليميين والدوليين، وترحيل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار أممي يدين إيران بشكل مباشر . جميع هذه العناصر لا تزال غائبة حتى اللحظة.
إن ما يجري ما هي الا مسرحية ملعوبة من الأميركي والاسرائيلي لاستخدام “فزاعة الحرب” من أجل تليين الموقف الإيراني في المفاوضات المتعثرة . فالولايات المتحدة تعلم تماماً أن الحرب مع إيران ليست نزهة ، وأن المنطقة ستتحول إلى مقبرة للغزاة، وإسرائيل، رغم خطابها العالي، تدرك أن الرد الإيراني سيكون مزلزلاً. في المقابل، تُدرك طهران لعبة التهويل، وتُبقي أوراقها بيدها حتى اللحظة الأخيرة، في انتظار صفقة قد تنضج على نار هادئة على طريقة حياكة السجاد العجمي لا تحت الضغط والنار.
